بها . فإذا أخل بها كانت فاسدة . فكيف إذا كان القلب نجسا ، ولم يطهره صاحبه ؟ فكيف يعتدّ له بصلاته ، وإن أسقطت القضاء ؟ وهل طهارة الظاهر إلا تكميل لطهارة الباطن ؟ .
ومن هذا : أن استقبال القبلة في الصلاة شرط لصحتها . وهي بيت الرب . فتوجه المصلي إليها ببدنه وقالبه شرط . فكيف تصح صلاة من لم يتوجه بقلبه إلى رب القبلة والبدن ؟ بل وجه بدنه إلى البيت . ووجه قلبه إلى غير رب البيت .
وأمثال ذلك من الإشارات الصحيحة التي لا تنال إلا بصفاء الباطن ، وصحة البصيرة ، وحسن التأمل . واللّه أعلم .
قال « الدرجة الثانية : الأنس بنور الكشف . وهو أنس شاخص عن الأنس الأول . تشوبه صولة الهيمان . ويضربه موج الفناء . وهو الذي غلب قوما على عقولهم . وسلب قوما طاقة الاصطبار . وحل عنهم قيود العلم . وفي هذا ورد الخبر بهذا الدعاء « أسألك شوقا إلى لقائك ، من غير ضراء مضرة . ولا فتنة مضلة » .
يجوز أن تكون الباء في قوله : « بنور الكشف » باء السببية ، أو باء الإلصاق .
فإن كانت باء السببية : كان المعنى : الأنس الحاصل بسبب نور الكشف .
وإن كانت باء الإلصاق ، كان المعنى : الأنس المتلبس بنور الكشف .
فإن قلت : ما الفرق بين الأنس ، ونور الكشف ، حتى يكون أحدهما سببا للآخر ، أو متلبسا به ؟ .
قلت : الفرق بينهما : أن نور الكشف من باب المعارف ، وانكشاف الحقيقة للقلب . وأما الأنس : فمن باب القرب والدنو ، والسكون إلى من يأنس به ، والطمأنينة إليه . فضده : الوحشة .
وضد نور الكشف : ظلمة الحجاب .
وقوله : « شاخص عن الأنس الأول » .
أي مرتفع عنه وأعلى منه .
قوله : « تشوبه صولة الهيمان » .
وذلك : لأن هذا الأنس المذكور يكون مبدؤه الكشف عن أسماء الصفات التي يحصل عنها الأنس . ويتعلق بها . كاسم « الجميل ، والبر ، واللطيف ، والودود ، والحليم ، والرحيم » ونحوها .
ثم يقوى التعلق بها إلى أن يستغرق العقل ، فيمازجه نوع من الأسماء . فيقهر العقل بصولته .
و « الهيمان » هو الحركة إلى كل جهة بسبب الحيرة والدهشة . وذلك إنما يكون مع نوع عدم تمييز . وقوة إرادة قاهرة ، لا يملك صاحبها ضبطها .
وقوله : « ويضربه موج الفناء » .
أي إن صاحب هذا الأنس : يطالع مبادئ الفناء محيطة به . فهي تقلبه كما يقلب الموج الغريق . وهذا قبل استيلاء سلطان الفناء على وجوده .
وقوله « وهو الذي غلب قوما على عقولهم » .
أي سلبهم إياها . لأنهم شاهدوا شيئا فوق مدارك العقول . وفوق كل مدرك بالحواس
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 587
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٥٨٧