قال « الدرجة الثالثة : إيثار إيثار اللّه ، فإن الخوض في الإيثار دعوى في الملك . ثم ترك شهود رؤيتك إيثار اللّه . ثم غيبتك عن الترك » .
يعني بإيثار إيثار اللّه : أن تنسب إيثارك إلى اللّه دون نفسك . وأنه هو الذي تفرد بالإيثار ، لا أنت . فكأنك سلّمت الإيثار إليه . فإذا آثرت غيرك بشيء فإن الذي آثره هو الحق ، لا أنت . فهو المؤثر حقيقة . إذ هو المعطي حقيقة .
ثم بين الشيخ السبب الذي يصح به نسبة الإيثار إلى اللّه ، وترك نسبته إلى نفسك ، فقال :
« فإن الخوض في الإيثار : دعوى في الملك » .
فإذا ادعى العبد : أنه مؤثر فقد ادعى ملك ما آثر به غيره ، والملك في الحقيقة : إنما هو للّه الذي له كل شيء . فإذا خرج العبد عن دعوى الملك فقد آثر إيثار اللّه - وهو إعطاؤه - على إيثار نفسه . وشهد أن اللّه وحده هو المؤثر بملكه . وأما من لا ملك له : فأي إيثار له ؟ .
وقوله : « ثم ترك شهود رؤيتك إيثار اللّه » .
يعني أنك إذا آثرت إيثار اللّه بتسليمك معنى الإيثار إليه : بقيت عليك من نفسك بقية أخرى لا بد من الخروج عنها . وهي أن تعرض عن شهودك رؤيتك أنك آثرت الحق بإيثارك ، وأنك نسبت الإيثار إليه لا إليك . فإن في شهودك ذلك ، ورؤيتك له : دعوى أخرى . هي أعظم من دعوى الملك . وهي أنك ادّعيت أن لك شيئا آثرت به اللّه . وقدمته على نفسك فيه ، بعد أن كان لك . وهذه الدعوى أصعب من الأولى . فإنها تتضمن ما تضمنته الأولى من الملك . وتزيد عليها برؤية الإيثار به فالأول : مدع للملك مؤثر به . وهذا مدع للملك ومدع للإيثار به . فإذن يجب عليه ترك شهود رؤيته لهذا الإيثار . فلا يعتقد أنه آثر اللّه بهذا الإيثار . بل اللّه هو الذي استأثر به دونك . فإن الأثرة واجبة له بإيجابه إياها بنفسه . لا بإيجاب العبد إياها له .
قوله « ثم غيبتك عن الترك » .
يريد : أنك إذا نزلت هذا الشهود ، وهذه الرؤية : بقيت عليك بقية أخرى ، وهي رؤيتك لهذا الترك المتضمنة لدعوى ملكك للترك . وهي دعوى كاذبة ، إذ ليس للعبد شيء من الأمر . ولا بيده فعل ولا ترك . وإنما الأمر كله للّه .
وقد تبين في الكشف والشهود والعلم والمعرفة : أن العبد ليس له شيء أصلا والعبد لا يملك حقيقة إنما المالك بالحقيقة سيده فالأثرة والإيثار والاستئثار كلها للّه ومنه وإليه . سواء اختار العبد ذلك وعلمه ، أو جهله ، أو لم يختره . فالأثرة واقعة . كره العبد أم رضي . فإنها استئثار المالك الحق بملكه تعالى . وقد فهمت من هذا قوله : « فإن الأثرة تحسن طوعا . وتصح كرها » واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
منزلة الخلق
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الخلق » .
قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( 4 ) [ القلم : 4 ] . قال ابن عباس ومجاهد :
لعلى دين عظيم ، لا دين أحب إليّ ولا أرضى عندي منه . وهو دين الإسلام .