خلفنا : قفوا . أيها الركب اللئام . أعطيتموني ثمن قراي ؟ ثم إنه لحقنا ، وقال : لتأخذنّه أو لأطاعننكم برمحي . فأخذناه وانصرف .
فتأمل سر التقدير . حيث قدر الحكيم الخبير - سبحانه - استئثار الناس على الأنصار بالدنيا - وهم أهل الإيثار - ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس . فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم .
فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك - مع كونك من أهل الإيثار - فاعلم أنه لخير يراد بك .
واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
مراتب الجود
و « الجود » عشر مراتب :
إحداها : الجود بالنفس . وهو أعلى مراتبه ، كما قال الشاعر :
يجود بالنفس ، إذ ضنّ البخيل بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود
الثانية : الجود بالرياسة . وهو ثاني مراتب الجود . فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته ، والجود بها والإيثار في قضاء حاجات الملتمس .
الثالثة : الجود براحته ورفاهيته ، وإجمام نفسه . فيجود بها تعبا وكدّا في مصلحة غيره . ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذته لمسامره ، كما قيل :
متيّم بالنّدى لو قال سائله : * هب لي جميع كرى عينيك ، لم ينم
الرابعة : الجود بالعلم وبذله . وهو من أعلى مراتب الجود . والجود به أفضل من الجود بالمال . لأن العلم أشرف من المال .
والناس في الجود به على مراتب متفاوتة . وقد اقتضت حكمة اللّه وتقديره النافذ : أن لا ينفع به بخيلا أبدا .
ومن الجود به : أن تبذله لمن يسألك عنه ، بل تطرحه عليه طرحا .
ومن الجود بالعلم : أن السائل إذا سألك عن مسألة : استقصيت له جوابها جوابا شافيا ، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة ، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا « نعم » أو « لا » مقتصرا عليها .
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - في ذلك أمرا عجيبا :
كان إذا سئل عن مسألة حكمية ، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة ، إذا قدر ، ومأخذ الخلاف ، وترجيح القول الراجح . وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته . فيكون فرحه بتلك المتعلقات ، واللوازم : أعظم من فرحه بمسألته . وهذه فتاويه - رحمه اللّه - بين الناس . فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك .
فمن جود الإنسان بالعلم : أنه لا يقتصر على مسألة السائل . بل يذكر له نظائرها ومتعلقها ومأخذها ، بحيث يشفيه ويكفيه .