فإن قلت : فهلّا خلقه على غير تلك الصفة ؟
قلت : هذا سؤال فاسد ، ومضمونه : هلّا خلقه ملكا لا إنسانا ؟ .
فإن قلت : فهلّا أعطاه التوفيق الذي يتخلص به من شر نفسه ، وظلمة طبعه ؟
قلت : مضمون هذا السؤال : هلّا سوّى بين جميع خلقه ؟ ولم خلق المتضادات والمختلفات ؟ وهذا من أفسد الأسئلة . وقد تقدم بيان اقتضاء حكمته وربوبيته وملكه لخلق ذلك .
الثامن والثلاثون : أن عدم الرضى إما أن يكون لفوات ما أخطأه مما يحبه ويريده . وإما لإصابة ما يكرهه ويسخطه . فإذا تيقن أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه . وما أصابه لم يكن ليخطئه :
فلا فائدة في سخطه بعد ذلك إلا فوات ما ينفعه وحصول ما يضره .
التاسع والثلاثون : أن الرضى من أعمال القلوب ، نظير الجهاد من أعمال الجوارح . فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان . قال أبو الدرداء « ذروة سنام الإيمان : الصبر للحكم ، والرضى بالقدر » .
الأربعون : أن أول معصية عصي اللّه بها في هذا العالم : إنما نشأت من عدم الرضى .
فإبليس لم يرض بحكم اللّه الذي حكم به كونا ، من تفضيل آدم وتكريمه ، ولا بحكمه الديني ، من أمره بالسجود لآدم . وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنة حتى ضمّ إليه الأكل من شجرة الحمى .
ثم ترتبت معاصي الذرية على عدم الصبر وعدم الرضى .
الحادي والأربعون : أن الراضي واقف مع اختيار اللّه له ، معرض عن اختياره لنفسه ، وهذا من قوة معرفته بربه تعالى ، ومعرفته بنفسه .
هامش
-صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ( 22 ) [ الملك : 22 ] وقوله :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ( 179 ) [ الأعراف : 172 - 179 ] وقوله :وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ( 14 ) [ السجدة : 12 - 14 ] فإنك إذا تلوت هذه الآيات وغيرها - في هذا الموضوع الخطير - حق التلاوة ، وتدبرتها حق التدبر - سليم القلب من التقليد الأعمى ، والتأثر بأي مؤثر ، إلا الرغبة الصادقة في فهم مراد اللّه ، لتهدي به إلى سبيل الرشاد - إذن لفهمت أن الجميع عبيد للّه رب العالمين . وأنه ربهم يربيهم جميعا بكل ما آتاهم من النعم والآيات في أنفسهم وفي الآفاق . فمن شكر وأحسن الانتفاع ووضع النعم في مواضعها :
زاده اللّه الشكور هدى ونعمة . ومن كفر فلا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا . ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا .