الحادي والعشرون : أن الرضى يوجب له أن لا يأسى على ما فاته ، ولا يفرح بما آتاه .
وذلك من أفضل الإيمان .
أما عدم أساه على الفائت : فظاهر . وأما عدم فرحه بما آتاه : فلأنه يعلم أن المصيبة فيه مكتوبة من قبل حصوله . فكيف يفرح بشيء يعلم أن له فيه مصيبة منتظرة ولا بد ؟ .
الثاني والعشرون : أن من ملأ قلبه من الرضى بالقدر : ملأ اللّه صدره غنى وأمنا وقناعة .
وفرّغ قلبه لمحبته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه . ومن فاته حظه من الرضى : امتلأ قلبه بضد ذلك .
واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه .
فالرضى يفرغ القلب للّه ، والسخط يفرغ القلب من اللّه .
الثالث والعشرون : أن الرضى يثمر الشكر ، الذي هو من أعلى مقامات الإيمان ، بل هو حقيقة الإيمان . والسخط يثمر ضده . وهو كفر النعم . وربما أثمر له كفر المنعم ، فإذا رضي العبد عن ربه في جميع الحالات : أوجب له ذلك شكره . فيكون من الراضين الشاكرين ، وإذا فاته الرضى : كان من الساخطين ، وسلك سبيل الكافرين .
الرابع والعشرون : أن الرضى ينفي عنه آفات الحرص والكلب على الدنيا . وذلك رأس كل خطيئة ، وأصل كل بلية . وأساس كل رزية . فرضاه عن ربه في جميع الحالات : ينفي عنه مادة هذه الآفات .
الخامس والعشرون : أن الشيطان إنما يظفر بالإنسان غالبا عند السخط والشهوة . فهناك يصطاده . ولا سيما إذا استحكم سخطه . فإنه يقول ما لا يرضي الرب . ويفعل ما لا يرضيه .
وينوي ما لا يرضيه . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم : « يحزن القلب ، وتدمع العين ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب » فإن موت البنين من العوارض التي توجب للعبد السخط على القدر . فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنه لا يقول في مثل هذا المقام - الذي يسخطه أكثر الناس ، فيتكلمون بما لا يرضي اللّه ، ويفعلون ما لا يرضيه - إلا ما يرضي ربه تبارك وتعالى ، ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رئي في الجنازة ضاحكا . فقيل له : أتضحك وقد مات ابنك ؟ فقال : إن اللّه قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه .
فأنكرت طائفة هذه المقالة على الفضيل . وقالوا : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكى يوم مات ابنه . وأخبر أن « القلب يحزن ، والعين تدمع » وهو في أعلى مقامات الرضى . فكيف يعد هذا من مناقب الفضيل ؟
والتحقيق : أن قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اتّسع لتكميل جميع المراتب ، من الرضى عن اللّه ، والبكاء رحمة للصبي . فكان له مقام الرضى ، ومقام الرحمة ورقة القلب . والفضيل لم يتسع قلبه لمقام الرضى ومقام الرحمة . فلم يجتمع له الأمران . والناس في ذلك على أربع مراتب .
أحدها : من اجتمع له الرّضى بالقضاء ورحمة الطفل . فدمعت عيناه رحمة والقلب راض .
الثاني : من غيّبه الرضى عن الرحمة . فلم يتسع للأمرين . بل غيبه أحدهما عن الآخر « 1 » .
هامش
( 1 ) هذا مناف للفطرة التي فطر اللّه الخلق عليها . فإن فرض أنه كان وهيهات ، فهو تكلف غير الواقع ، وتظاهر بغير الحقيقة ، ليقال صبار . ولذلك كان هدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على خلافه . واللّه أعلم .