كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ النّحل : 35 ] وقال تعالى :
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ
[ الزّخرف : 20 ] فهم استدلوا على محبته لشركهم ورضاه عنه بمشيئته لذلك .
وعارضوا بهذا الدليل أمره ونهيه . وفيه أبين الرد لقول من جعل مشيئته غير محبته ورضاه .
فالإشكال إنما نشأ من جعلهم المشيئة نفس المحبة . ثم زادوه بجعلهم الفعل نفس المفعول ، والقضاء عين المقضي . فنشأ من ذلك إلزامهم بكونه تعالى راضيا محبا لذلك . والتزام رضاهم به .
والذي يكشف هذه الغمة ، ويبصر من هذه العماية ، وينجي من هذه الورطة : إنما هو التفريق بين ما فرق اللّه بينه ، وهو المشيئة والمحبة . فإنهما ليسا واحدا . ولا هما متلازمين . بل قد يشاء ما لا يحبه ، ويحب ما لا يشاء كونه .
فالأول : كمشيئته لوجود إبليس وجنوده . ومشيئته العامة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه .
والثاني : كمحبته إيمان الكفار ، وطاعات الفجار ، وعدل الظالمين ، وتوبة الفاسقين . ولو شاء ذلك لوجد كله وكان جميعه . فإنه ما شاء كان . وما لم يشأ لم يكن .
فإذا تقرر هذا الأصل ، وأن الفعل غير المفعول ، والقضاء غير المقضي ، وأن اللّه سبحانه لم يأمر عباده بالرضى بكل ما خلقه وشاءه : زالت الشبهات . وانحلت الإشكالات . وللّه الحمد .
ولم يبق بين شرع الرب وقدره تناقض ، بحيث يظن إبطال أحدهما للآخر . بل القدر ينصر الشرع .
والشرع يصدق القدر ، وكل منهما يحقق الآخر .
إذا عرف هذا ، فالرضى بالقضاء الديني الشرعي واجب . وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان . فيجب على العبد أن يكون راضيا به بلا حرج ، ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض قال اللّه تعالى :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
( 65 ) [ النّساء : 65 ] .
فأقسم : أنهم لا يؤمنون حتى يحكّموا رسوله ، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه ، وحتى يسلموا لحكمه تسليما ، وهذا حقيقة الرضى بحكمه .
فالتحكيم : في مقام الإسلام . وانتفاء الحرج : في مقام الإيمان . والتسليم : في مقام الإحسان .
ومتى خالط القلب بشاشة الإيمان ، واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين ، وحيّ بروح الوحي ، وتمهدت طبيعته ، وانقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وادعة ، وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم : فقد رضي كل الرضى بهذا القضاء الديني المحبوب للّه ولرسوله .
والرضى بالقضاء الكوني القدري ، الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه - من الصحة ، والغنى ، والعافية ، واللذة - أمر لازم بمقتضى الطبيعة . لأنه ملائم للعبد ، محبوب له . فليس في الرضى به عبودية . بل العبودية في مقابلته بالشكر ، والاعتراف بالمنة ، ووضع النعمة مواضعها التي يحب اللّه أن توضع فيها ، وأن لا يعصي المنعم بها ، وأن يرى التقصير في جميع ذلك .
والرضى بالقضاء الكوني القدري ، الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته - بما لا يلائمه .
ولا يدخل تحت اختياره - مستحب . وهو من مقامات أهل الإيمان وفي وجوبه قولان . وهذا