باللّه ربا رضيه اللّه له عبدا . ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته : لم ينل بذلك درجة رضى الرب عنه ، إن لم يرض به ربا ، وبنبيه رسولا ، وبالإسلام دينا . فإن العبد قد يرضى عن اللّه ربه فيما أعطاه وفيما منعه ، ولكن لا يرضى به وحده معبودا وإلها ، ولهذا إنما ضمن رضى العبد يوم القيامة لمن رضي به ربا . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من قال كل يوم : رضيت باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا : إلا كان حقا على اللّه أن يرضيه يوم القيامة » .
إذا عرف هذا فلنرجع إلى شرح كلامه . قال :
« وبهذا الرضى نطق التنزيل » .
يشير إلى قوله عزّ وجلّ :
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( 119 ) [ المائدة : 119 ] وقال تعالى في آخر سورة المجادلة :
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ المجادلة : 22 ] وقال في آخر سورة
« لَمْ يَكُنِ »
:
خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
[ البيّنة : 8 ] .
فتضمنت هذه الآيات : جزاءهم على صدقهم وإيمانهم ، وأعمالهم الصالحة ، ومجاهدة أعدائه ، وعدم ولايتهم ، بأن رضي اللّه عنهم ، فأرضاهم ، فرضوا عنه ، وإنما حصل لهم هذا بعد الرضى به ربا ، وبمحمد نبيا ، وبالإسلام دينا .
قوله : « وهو الرضى عنه في كل ما قضى » .
ههنا ثلاثة أمور : الرضاء باللّه ، والرضا عن اللّه ، والرضا بقضاء اللّه .
فالرضى به فرض . والرضى عنه - وإن كان من أجلّ الأمور وأشرف أنواع العبودية - فلم يطالب به العموم . لعجزهم ومشقته عليهم . وأوجبته طائفة كما أوجبوا الرضى به ، واحتجوا بحجج .
منها : أنه إذا لم يكن راضيا عن ربه فهو ساخط عليه . إذ لا واسطة بين الرضى والسخط .
وسخط العبد على ربه مناف لرضاه به ربا .
قالوا : وأيضا فعدم رضاه عنه يستلزم سوء ظنه به ، ومنازعته له في اختياره لعبده ، وأن الرب تبارك وتعالى يختار شيئا ويرضاه فلا يختاره العبد ولا يرضاه ، وهذا مناف للعبودية .
قالوا : وفي بعض الآثار الإلهية : « من لم يرض بقضائي ، ولم يصبر على بلائي . فليتخذ ربا سواي » ولا حجة في شيء من ذلك .
أما قوله : « إنه لا يتخلص من السخط على ربه إلا بالرضى عنه . إذ لا واسطة بين الرضا والسخط » فكلام مدخول . لأن السخط بالمقضي لا يستلزم السخط على من قضاه ، كما أن كراهة المقضي وبغضه والنفرة عنه لا تستلزم تعلق ذلك بالذي قضاه وقدره . فالمقضي قد يسخطه العبد وهو راض عمن قضاه وقدره . بل قد يجتمع تسخطه والرضى بنفس القضاء . كما سيأتي إن شاء اللّه .
وأما قولكم : « إنه يستلزم سوء ظن العبد بربه ومنازعته له في اختياره » فليس كذلك . بل هو حسن الظن بربه في الحالتين . فإنه إنما يسخط المقدور وينازعه بمقدور آخر . كما ينازع القدر