وإما بشهوة تعارض أمر اللّه عزّ وجلّ . فالتسليم للأمر : بالتخلص منها .
أو إرادة تعارض مراد اللّه من عبده ، فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب . فالتسليم :
بالتخلص منها .
أو اعتراض يعارض حكمته في خلقه وأمره ، بأن يظن أن مقتضى الحكمة خلاف ما شرع ، وخلاف ما قضى وقدّر . فالتسليم : التخلص من هذه المنازعات كلها .
وبهذا يتبين أن من أجلّ مقامات الإيمان ، وأعلى طرق الخاصة ، وأن « التسليم » هو محض الصّدّيقية ، التي هي بعد درجة النبوة ، وأن أكمل الناس تسليما : أكملهم صديقية .
فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ .
فأما قوله : « تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام » .
فيعني : أن التسليم يقتضي ما ينهى عنه العقل ويزاحمه . فإنه يقتضي التجريد عن الأسباب .
والعقل يأمر بها . فصاحب « التسليم » يسلم إلى اللّه عزّ وجلّ ما هو غيب عن العبد . فإن فعله سبحانه وتعالى لا يتوقف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرد عنها . فإذا سلم للّه لم يلتفت إلى السبب في كل ما غاب عنه .
فالأوهام يسبق عليها : أن ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلا بالأسباب . و « التسليم » يقتضي التجرد عنها . والعقل ينهى عن ذلك . والوهم قد سبق عليه : أن الغيب موقوف عليها .
فههنا أمور ستة : عقل ، ومزاحم له ، ووهم ، وسائق إليه ، وغيب ، وتسليم لهذا المزاحم .
فالعقل هو الباعث له على الأسباب ، الداعي له إليها ، التي إذا خرج الرجل عنها عدّ خروجه قدحا في عقله .
والمزاحم له : التجرد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمّة الأمور : مواردها ومصادرها .
والوهم : اعتقاده توقف حصول السعادة والنجاة ، وحصول المقدور - كائنا ما كان - عليها ، وأنه لولاها لما حصل المقدور .
وهذا هو السائق إلى الوهم .
والغيب : هو الحكم الذي غاب عنه . وهو فعل اللّه .
والتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم .
مع أن في تنزيل عبارته على هذا المعنى ، وإفراغ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظرا .
وفيه وجه آخر : وهو أن يكون المراد : التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب مما يزاحم معقوله في بادىء الرأي ، لما يسبق إلى وهمه : أن الأمر بخلافه . فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أخبرت به شيء يزاحم معقولها . فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم . فإن كثيرا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة ، ويسبق إلى الوهم خلافه . فالتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى وليه ، ومن هو أخبر به ، والتجرد عما يسبق إلى الوهم مما يخالفه .
وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء اللّه .
فالأول : تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العملي القصدي الإرادي . وهذا تجريد
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 421
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٤٢١