فهذا مكر اللّه بالعبد : أن يقطع عنه مواد توفيقه . ويخلي بينه وبين نفسه . ولا يبعث دواعيه .
ولا يحركه إلى مراضيه ومحابه . وليس هذا حقا على اللّه . فيكون ظالما بمنعه ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . بل هو مجرد فضله الذي يحمده على بذله لمن بذله ، وعلى منعه لمن منعه إياه .
فله الحمد على هذا وهذا .
ومن فهم هذا فهم بابا عظيما من سر القدر ، وانجلت له إشكالات كثيرة . فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلا يفعله بعبده يقع منه ما يحبه ويرضاه . فيمنعه فعل نفسه به ، وهو توفيقه . لأنه يكرهه . ويقهره على فعل مساخطه . بل يكله إلى نفسه وحوله وقوته ، ويتخلى عنه . فهذا هو المكر .
قوله : « ولا ييأس من معونة » يعني إذا كان المحرك له هو الرب جل جلاله . وهو أقدر القادرين . وهو الذي تفرد بخلقه ورزقه . وهو أرحم الراحمين . فكيف ييأس من معونته له ؟ .
قوله « ولا يعول على نية » أي لا يعتمد على نيته وعزمه ، ويثق بها . فإن نيته وعزمه بيد اللّه تعالى لا بيده . وهي إلى اللّه لا إليه . فلتكن ثقته بمن هي في يده حقا ، لا بمن هي جارية عليه حكما .
قال « الدرجة الثانية : معاينة الاضطرار . فلا يرى عملا منجيا . ولا ذنبا مهلكا . ولا سببا حاملا » .
أي يعاين فقره وفاقته وضرورته التامة إلى اللّه ، بحيث إنه يرى في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة ، وفاقة تامة إلى اللّه . فنجاته إنما هي باللّه لا بعمله .
وأما قوله : « ولا ذنبا مهلكا » فإن أراد به : أن هلاكه باللّه ، لا بسبب ذنوبه : فباطل . معاذ اللّه من ذلك . وإن أراد به : أن فضل اللّه وسعته ومغفرته ورحمته ، ومشاهدة شدة ضرورته وفاقته إليه : يوجب له أن لا يرى ذنبا مهلكا . فإن افتقاره وفاقته وضرورته تمنعه من الهلاك بذنوبه . بل تمنعه من اقتحام الذنوب المهلكة . إذ صاحب هذا المقام لا يصر على ذنوب تهلكه . وهذا حاله - فهذا حق . وهو من مشاهد أهل المعرفة « 1 » .
وقوله « ولا سببا حاملا » أي يشهد : أن الحامل له هو الحق تعالى ، لا الأسباب التي يقوم بها . فإنه وإياها محمولان باللّه وحده .
قال : « الدرجة الثالثة : شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون ، والقبض والبسط ، ومعرفته بتصريف التفرقة والجمع » .
هذه الدرجة تتعلق بشهود وصف اللّه تبارك وتعالى وشأنه . والتي قبلها تتعلق بشهود حال العبد ووصفه . أي يشهد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تعالى في كل متحرك وساكن .
فيشهد تعلق الحركة باسمه « الباسط » وتعلق السكون باسمه « القابض » فيشهد تفرده سبحانه بالبسط والقبض .
وأما « معرفته بتصريف التفرقة والجمع » فأن يكون المشاهد عارفا بمواضع التفرقة والجمع .
والمراد بالتفرقة : نظر الاعتبار ، ونسبة الأفعال إلى الخلق .
هامش
( 1 ) وأين هذا من كلامه ؟ إنه تمحل بعيد .