يعني أن المفوض يتبرأ من الحول والقوة ، ويفوض الأمر إلى صاحبه ، من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه . بخلاف التوكل . فإن الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل مقام الموكل .
فالتفويض : براءة وخروج من الحول والقوة ، وتسليم الأمر كله إلى مالكه .
فيقال : وكذلك التوكل أيضا . وما قدحتم به في التوكل يرد عليكم نظيره في التفويض سواء . فإنك كيف تفوض شيئا لا تملكه البتة إلى مالكه ؟ وهل يصح أن يفوض واحد من آحاد الرعية الملك إلى ملك زمانه ؟
فالعلة إذن في التفويض أعظم منها في التوكل . بل لو قال قائل : التوكل فوق التفويض ، وأجل منه وأرفع ، لكان مصيبا . ولهذا كان القرآن مملوءا به أمرا ، وإخبارا عن خاصة اللّه وأوليائه ، وصفوة المؤمنين ، بأن حالهم التوكل . وأمر اللّه به رسوله في أربعة مواضع من كتابه « 1 » ، وسماه « المتوكّل » كما في « صحيح البخاري » عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال :
« قرأت في التوراة صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم محمد رسول اللّه ، سمّيته المتوكل ، ليس بفظّ ، ولا غليظ ، ولا سخّاب بالأسواق » .
وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل . وبه انتصروا على قومهم . وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب « أنهم أهل مقام التوكل » .
ولم يجئ التفويض في القرآن إلا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله :
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ
[ غافر : 44 ] وقد أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يتخذه وكيلا . فقال :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
( 9 ) [ المزمّل : 9 ] .
وهذا يبطل قول من قال من جهلة القوم : إن توكيل الرب فيه جسارة على الباري . لأن التوكل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكل . وذلك عين الجسارة .
قال : ولولا أن اللّه أباح ذلك وندب إليه : لما جاز للعبد تعاطيه .
وهذا من أعظم الجهل . فإن اتخاذه وكيلا هو محض العبودية . وخالص التوحيد ، إذا قام به صاحبه حقيقة .
وللّه در سيد القوم ، وشيخ الطائفة سهل بن عبد اللّه التستري . إذ يقول : العلم كله باب من التعبد . والتعبد كله باب من الورع . والورع كله باب من الزهد ، والزهد كله باب من التوكل .
فالذي نذهب إليه : أن التوكل أوسع من التفويض ، وأعلى وأرفع .
* * *
هامش
( 1 ) بل أكثر من ذلك . قال اللّه تعالى :فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[ آل عمران : 159 ] وقال :فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا[ النساء : 81 ] وقال :وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[ الأنفال : 61 ] وقال :وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ( 217 ) [ الشعراء : 217 ] وقال :فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ[ النمل : 79 ] وقال :وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا[ الأحزاب : 3 ] وقال :وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا[ الأحزاب : 18 ] وقال :فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ[ هود : 123 ] وقال :وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ[ الفرقان : 58 ] .