كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها ، وحال المحب العاشق وراء ذلك ، وكمعرفة علم الخوف ، وحال الخائف وراء ذلك ، وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها .
فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق ، والعوارض بالمطالب ، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
« التوكل » من أعم المقامات تعلقا بالأسماء الحسنى .
فإن له تعلقا خاصا بعامة أسماء الأفعال ، وأسماء الصفات .
فله تعلق باسم « الغفار ، والتواب ، والعفو ، والرؤوف ، والرحيم » وتعلق باسم « الفتاح ، والوهاب ، والرزاق ، والمعطي ، والمحسن » وتعلق باسم « المعز ، المذل ، الحافظ ، الرافع ، المانع » من جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه ، وخفضهم ومنعهم أسباب النصر . وتعلق بأسماء « القدرة ، والإرادة » وله تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى . ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه المعرفة باللّه .
وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد يصح له مقام التوكل ، وكلما كان باللّه أعرف ، كان توكله عليه أقوى .
وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله . وقد توكل حقيقة التوكل وهو مغبون . كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله . ويمكنه نيلها بأيسر شيء . وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ، ونصرة الدين ، والتأثير في العالم جبرا . فهذا توكل العاجز القاصر الهمة . كما يصرف بعضهم همته وتوكله ، ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء ، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف ، أو نصف درهم ، ويدع صرفه إلى نصرة الدين ، وقمع المبتدعين ، وزيادة الإيمان ، ومصالح المسلمين ، واللّه أعلم .
قال صاحب المنازل :
التوكل : « كلة الأمر إلى مالكه ، والتعويل على وكالته . وهو من أصعب منازل العامة عليهم . وأوهى السّبل عند الخاصة . لأن الحق تعالى قد وكل الأمور كلها إلى نفسه . وأيأس العالم من ملك شيء منها » .
قوله : « كلة الأمر إلى مالكه » أي تسليمه إلى من هو بيده .
« والتعويل على وكالته » أي الاعتماد على قيامه بالأمر ، والاستغناء بفعله عن فعلك ، وبإرادته عن إرادتك .
و « الوكالة » يراد بها أمران : أحدهما : التوكيل . وهو الاستنابة والتفويض . والثاني :
التوكل . وهو التعرف بطريق النيابة عن الموكل . وهذا من الجانبين . فإن اللّه تبارك وتعالى يوكل العبد ويقيمه في حفظ ما وكّله فيه . والعبد يوكل الرب ويعتمد عليه .
فأما وكالة الرب عبده ، ففي قوله تعالى :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
[ الأنعام : 89 ] قال قتادة : وكّلنا بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم - يعني قبل هذه