وسئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلا ؟ فقال : إذا رضي باللّه وكيلا .
ومنهم : من يفسره بالثقة باللّه ، والطمأنينة إليه ، والسكون إليه .
قال ابن عطاء : التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب ، مع شدة فاقتك إليها ، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها .
قال ذو النون : هو ترك تدبير النفس ، والانخلاع من الحول والقوة . وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه .
وقال بعضهم : التوكل التعلق باللّه في كل حال .
وقيل : التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات ، فلا تسمو إلا إلى من إليه الكفايات .
وقيل : نفي الشكوك ، والتفويض إلى مالك الملوك .
وقال ذو النون : خلع الأرباب وقطع الأسباب .
يريد قطعها من تعلق القلب بها ، لا من ملابسة الجوارح لها .
ومنهم : من جعله مركّبا من أمرين أو أمور .
فقال أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب .
يريد : حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن ، وسكون إلى المسبب ، وركون إليه . ولا يضطرب قلبه معه . ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه .
وقال أبو تراب النّخشبي : هو طرح البدن في العبودية ، وتعلق القلب بالربوبية ، والطمأنينة إلى الكفاية . فإن أعطي شكر ، وإن منع صبر .
فجعله مركبا من خمسة أمور : القيام بحركات العبودية ، وتعلق القلب بتدبير الرب ، وسكونه إلى قضائه وقدره ، وطمأنينته وكفايته له ، وشكره إذا أعطى ، وصبره إذا منع .
قال أبو يعقوب النهرجوري : التوكل على اللّه بكمال الحقيقة ، كما وقع لإبراهيم الخليل عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام : « أما إليك فلا » لأنه غائب عن نفسه باللّه .
فلم ير مع اللّه غير اللّه .
وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب . فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد .
قال سهل بن عبد اللّه : من طعن في الحركة فقد طعن في السنة . ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان .
فالتوكل حال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والكسب سنته . فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته وهذا معنى قول أبي سعيد « هو اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب » وقول سهل أبين وأرفع .
وقيل : التوكل قطع علائق القلب بغير اللّه .
وسئل سهل عن التوكل ؟ فقال : قلب عاش مع اللّه بلا علاقة .
وقيل : التوكل هجر العلائق ، ومواصلة الحقائق .
وقيل : التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 401
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٤٠١