فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية . ولا يزال يطرقه من شبههم سريّة بعد سرية .
ويزعمون أنهم بذلك مصلحون
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ
( 12 ) [ البقرة : 12 ]
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
( 8 ) [ الصّف : 8 ] .
اتفقوا على مفارقة الوحي . فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
( 53 ) [ المؤمنون : 53 ]
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
[ الأنعام : 112 ] ولأجل ذلك
اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً
[ الفرقان : 30 ] .
درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها . ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ، وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها . وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها . لم يقبلوا هدى اللّه الذي أرسل به رسوله . ولم يرفعوا به رأسا . ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا . خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة .
وعزلوها عن ولاية اليقين . وشنّوا عليها غارات التأويلات الباطلة . فلا يزال يخرج عليها منهم كمين بعد كمين . نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام . فقابلوها بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام . وتلقوها من بعيد ، ولكن بالدفع في الصدور منها والإعجاز . وقالوا : ما لك عندنا من عبور - وإن كان لا بد - فعلى سبيل الاجتياز . أعدّوا لدفعها أصناف العدد وضروب القوانين ، وقالوا - لما حلّت بساحتهم - : ما لنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئا من اليقين . وعوامّهم قالوا :
حسبنا ما وجدنا عليه خلفنا من المتأخرين . فإنهم أعلم بها من السلف الماضين ، وأقوم بطرائق الحجج والبراهين . وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور . ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد النظر ، ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحظور . فطريقة المتأخرين : أعلم وأحكم . وطريقة السلف الماضين : أجهل ، لكنها أسلم .
أنزلوا نصوص السنة والقرآن ، منزلة الخليفة في هذا الزمان ، اسمه على السّكة وفي الخطبة فوق المنابر مرفوع . والحكم النافذ لغيره . فحكمه غير مقبول ولا مسموع .
لبسوا ثياب أهل الإيمان ، على قلوب أهل الزيغ والخسران ، والغل والكفران . فالظواهر ظواهر الأنصار . والبواطن قد تحيّزت إلى الكفار . فألسنتهم ألسنة المسالمين . وقلوبهم قلوب المحاربين . ويقولون :
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
[ البقرة : 8 ] .
رأس مالهم الخديعة والمكر . وبضاعتهم الكذب والختر . وعندهم العقل المعيشي : أن الفريقين عنهم راضون . وهم بينهم آمنون
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 9 ) [ البقرة : 9 ] .
قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها . وغلبت القصود السيئة على إرادتهم ونيّاتهم فأفسدتها . ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك ، فعجز عنه الأطباء العارفون
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
( 10 ) [ البقرة : 10 ] .
من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزّقته كل تمزيق . ومن تعلّق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق . ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق .
ففسادهم في الأرض كثير . وأكثر الناس عنه غافلون
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما