الثاني : أن يجاذبه على نفسه ، ويتفلت منه ، لئلا تفوته الصلاة .
ثم له بعد هذا التفلت ثلاثة أحوال :
أحدهما : أن يكون سيره جمزا ووثبا ، ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة . فربما استدركه وزاد عليه .
الثاني : أن يعود إلى مثل سيره .
الثالث : أن تورثه تلك الوقفة فتورا وتهاونا . فيفوته فضيلة الصف الأول ، أو فضيلة الجماعة وأول الوقت . فهكذا حال التائبين السائرين سواء .
تفضيل الطائع على التائب توبة نصوحا
ويتبين هذا بمسألة شريفة . وهي أنه : هل المطيع الذي لم يعص خير من العاصي الذي تاب إلى اللّه توبة نصوحا ، أو هذا التائب أفضل منه ؟
اختلف في ذلك .
فطائفة رجحت من لم يعص على من عصى وتاب توبة نصوحا . واحتجوا بوجوه :
أحدهما : أن أكمل الخلق وأفضلهم : أطوعهم للّه . وهذا الذي لم يعص أطوع . فيكون أفضل .
الثاني : أن في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه المطيع عدة مراحل إلى فوق . فتكون درجته أعلى من درجته . وغايته : أنه إذا تاب استقبل سيره ليلحقه . وذاك في سير آخر . فأنّى له بلحاقه ؟ فهما بمنزلة رجلين مشتركين في الكسب ، كلما كسب أحدهما شيئا كسب الآخر مثله .
فعمد أحدهما إلى كسبه فأضاعه ، وأمسك عن الكسب المستأنف . والآخر مجدّ في الكسب . فإذا أدركته حمية المنافسة ، وعاد إلى الكسب : وجد صاحبه قد كسب في تلك المدة شيئا كثيرا . فلا يكسب شيئا إلا كسب صاحبه نظيره . فأنّى له بمساواته ؟ .
الثالث : أن غاية التوبة : أن تمحو عن هذا سيئاته ، ويصير بمنزلة من لم يعملها فيكون سعيه في مدة المعصية لا له ولا عليه . فأين هذا السعي من سعي من هو كاسب رابح ؟
الرابع : أن اللّه يمقت على معاصيه ومخالفة أوامره . ففي مدة اشتغال هذا بالذنوب : كان حظه المقت ، وحظ المطيع الرضا . فاللّه لم يزل عنه راضيا . ولا ريب أن هذا خير ممن كان اللّه راضيا عنه ثم مقته ، ثم رضي عنه ، فإن الرضا المستمر خير من الذي تخلله المقت .
الخامس : أن الذنب بمنزلة شرب السم . والتوبة ترياقه ودواؤه ، والطاعة هي الصحة والعافية ، وصحة وعافية مستمرة ، خير من صحة تخللها مرض وشرب سم أفاق منه . وربما أدّيا به إلى التلف أو المرض أبدا .
السادس : أن العاصي على خطر شديد . فإنه دائر بين ثلاثة أشياء . أحدها : العطب والهلاك بشرب السم . الثاني : النقصان من القوة وضعفها ، إن سلم من الهلاك . والثالث : عود قوته إليه كما كانت أو خيرا منها بعيد .
والأكثر إنما هو القسمان الأولان . ولعل الثالث نادر جدا . فهو على يقين من ضرر السم ،