إلا أذى وحنقا وغما ، وقد كان مستريحا قبل سماعه . فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله ، وأورثته ضررا في نفسه أو بدنه ، كما قال الشاعر :
فإن الذي يؤذيك منه سماعه * وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه ، فضلا عن أن يوجبه ويأمر به .
قالوا : وربما كان إعلامه به سببا للعداوة والحرب بينه وبين القائل . فلا يصفو له أبدا .
ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولّدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف . وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب ، والتراحم والتعاطف والتحابب .
قالوا : والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين :
أحدهما : أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه . فلا يجوز إخفاؤها عنه . فإنه محض حقّه .
فيجب عليه أداؤه إليه . بخلاف الغيبة والقذف . فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط . فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس .
والثاني : أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه ، ولم تهج منه غضبا ولا عداوة . بل ربما سره ذلك وفرح به . بخلاف إعلامه بما مزّق به عرضه طول عمره ليلا ونهارا ، من أنواع القذف والغيبة والهجو . فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد . وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت . واللّه أعلم .
هل يرجع العبد إلى الدرجة التي كان عليها قبل الذنب
ومن أحكامها : أن العبد إذا تاب من الذنب : فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التي حطّه عنها الذنب ، أو لا يرجع إليها ؟ اختلف في ذلك .
فقالت طائفة : يرجع إلى درجته . لأن التوبة تجبّ الذنب بالكلية ، وتصيّره كأن لم يكن .
والمقتضي لدرجته : ما معه من الإيمان والعمل الصالح . فعاد إليها بالتوبة .
قالوا : لأن التوبة حسنة عظيمة وعمل صالح . فإذا كان ذنبه قد حطه عن درجته ، فحسنته بالتوبة رقّته إليها . وهذا كمن سقط في بئر . وله صاحب شفيق ، أدلى إليه حبلا تمسك به حتى رقي منه إلى موضعه . فهكذا التوبة والعمل الصالح مثل هذا القرين الصالح ، والأخ الشفيق .
وقالت طائفة : لا يعود إلى درجته وحاله . لأنه لم يكن في وقوف . وإنما كان في صعود .
فبالذنب صار في نزول وهبوط . فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذي كان مستعدا به للترقي .
قالوا : ومثل هذا مثل رجلين سائرين على طريق سيرا واحدا . ثم عرض لأحدهما ما رده على عقبه أو أوقفه ، وصاحبه سائر . فإذا استقال هذا رجوعه ووقفته ، وسار بإثر صاحبه : لم يلحقه أبدا . لأنه كلما سار مرحلة تقدم ذاك أخرى .
قالوا : والأول يسير بقوة أعماله وإيمانه . وكلما ازداد سيرا ازدادت قوته . وذلك الواقف الذي رجع قد ضعفت قوة سيره وإيمانه بالوقوف والرجوع .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يحكي هذا الخلاف . ثم قال : والصحيح :
أن من التائبين من لا يعود إلى درجته . ومنهم من يعود إليها . ومنهم من يعود إلى أعلى منها ،