أشهدهم ؟ لولا شدة غضبه وسخطه على الفاعلين لما اشتدت كراهته وبغضه له . فأوجبت تلك الكراهة والبغض منه : وقوع أنواع المكاره بهم ، كما أن محبته لما يحبه من الأفعال ويرضاه :
أوجبت وقوع أنواع المحابّ لمن فعلها . وشهود ما في العالم من إكرام أوليائه ، وإتمام نعمه عليهم ، ونصرهم وإعزازهم ، وإهانة أعدائه وعقوبتهم ، وإيقاع المكاره بهم : من أدل الدليل على حبه وبغضه وكراهته ، بل نفس موالاته لمن والاه ، ومعاداته لمن عاداه : هي عين محبته وبغضه .
فإن الموالاة : أصلها الحب . والمعاداة : أصلها البغض . فإنكار صفة « المحبة ، والكراهة » إنكار لحقيقة « الموالاة ، والمعاداة » .
وبالجملة : فشهود القلوب لمحبته وكراهته ، كشهود العيان لكرامته وإهانته .
الرضا بالقضاء والقدر
وأما حديث « الرضا بالقضاء » فيقال :
أولا : بأي كتاب ، أم بأي سنة ، أم بأي معقول : علمتم وجوب الرضا بكل ما يقضيه ويقدره ؟ بل بجواز ذلك ، فضلا عن وجوبه ؟ هذا كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وأدلة العقول ليس في شيء منها الأمر بذلك ، ولا إباحته .
بل من المقضيّ ما يرضى به ، ومنه ما يسخطه ويمقته . فلا نرضى بكل قضاء كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه . بل من القضاء ما يسخطه ، كما أن من الأعيان المقضية : ما يغضب عليه ، ويمقت عليه ، ويلعن ويذمّ .
ويقال ثانيا : هاهنا أمران « قضاء » وهو فعل قائم بذات الرب تعالى ، و « مقضيّ » وهو المفعول المنفصل عنه . فالقضاء خير كله . وعدل وحكمة . فيرضى به كله ، والمقضيّ قسمان .
منه ما يرضى به . ومنه ما لا يرضى به .
وهذا جواب من يقول : الفعل غير المفعول . والقضاء غير المقضي .
وأما من يقول : إن الفعل هو عين المفعول . والقضاء هو عين المقضي ، فلا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب .
ويقال ثالثا : القضاء له وجهان .
أحدهما : تعلقه بالرب تعالى ، ونسبته إليه . فمن هذا الوجه : يرضى به كله .
الوجه الثاني : تعلقه بالعبد ، ونسبته إليه . فمن هذا الوجه : ينقسم إلى ما يرضى به ، وإلى ما لا يرضى به .
مثال ذلك : قتل النفس - مثلا - له اعتباران . فمن حيث إنه قدّره اللّه وقضاه وكتبه وشاءه ، وجعله أجلا للمقتول ، ونهاية لعمره : يرضى به . ومن حيث إنه صدر من القاتل ، وباشره وكسبه ، وأقدم عليه باختياره ، وعصى اللّه بفعله : يسخطه ولا يرضى به .
فهذه نهاية أقدام العالم ، المقرين بالنبوات في هذه المسألة ، ومفترق طرقهم . قد حصرت لك أقوالهم ومآخذهم ، وأصول تلك الأقوال ، بحيث لا يشذ منها شيء . وباللّه التوفيق .
ولا تنكر الإطالة في هذا الموضع . فإنه مزلة أقدام الخلق . وما نجا من معاطبه إلا أهل البصائر والمعرفة باللّه وصفاته وأمره وشرائعه .