وفي الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه كره لكم ثلاثا : قيل وقال . وكثرة السؤال .
وإضاعة المال » فهذه كراهة لموجود تعلقت به المشيئة .
وفي « المسند » « إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته » فهذه محبة وكراهة لأمرين موجودين . اجتمعا في المشيئة ، وافترقا في المحبة والكراهة . وهذا في الكتاب والسنة أكثر من أن يذكر جميعه .
تفسير أعوذ برضاك من سخطك
وقد فطر اللّه عباده على قولهم : هذا الفعل يحبه اللّه . وهذا يكرهه اللّه ويبغضه وفلان يفعل ما لا يحبه اللّه . والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه . وذلك صفة قائمة به ، يترتب عليها العذاب واللعنة . لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما . ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً
( 93 ) [ النّساء : 93 ] ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته . وجعل كل واحد غير الآخر .
وكان من دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك . وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك » .
فتأمل ذكر استعاذته صلى اللّه عليه وسلم بصفة « الرضا » من صفة « السخط » وبفعل « المعافاة » من فعل « العقوبة » فالأول : للصفة ، والثاني : لأثرها المترتب عليها . ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه ، وأن ذلك كله راجع إليه وحده . لا إلى غيره . فما أعوذ منه : واقع بمشيئتك وإرادتك . وما أعوذ به :
من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك ، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه ، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه . فإعاذتي مما أكره وأحذر ، ومنعه أن يحل بي : هو بمشيئتك أيضا .
فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك . فعياذي بك منك : عياذي بحولك وقوتك ، وقدرتك ورحمتك وإحسانك ، مما يكون بحولك وقوتك وقدرتك وعدلك وحكمتك . فلا أستعيذ بغيرك من غيرك . ولا أستعيذ إلا بك من شيء هو صادر من مشيئتك وخلقك . بل هو منك . ولا أستعيذ بغيرك من شيء هو صادر عن مشيئتك وقضائك ، بل أنت الذي تعيذني بمشيئتك مما هو كائن بمشيئتك . فأعوذ بك منك .
ولا يعلم ما في هذه الكلمات - من التوحيد والمعارف والعبودية - إلا الراسخون في العلم باللّه ومعرفته ، ومعرفة عبوديته .
وأشرنا إلى شيء يسير من معناها . ولو استقصينا شرحها لقام منه سفر ضخم . ولكن قد فتح لك الباب . فإن دخلت رأيت ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت . ولا خطر على قلب بشر .
والمقصود : أن انقسام الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله إلى محبوب للرب مرضي له ، ومسخوط مبغوض له ، مكروه له : أمر معلوم بجميع أنواع الأدلة ، من العقل والنقل ، والفطرة والاعتبار . فمن سوّى بين ذلك كله فقد خالف فطرة اللّه التي فطر عليها عباده . وخالف المعقول والمنقول . وخرج عما جاءت به الرسل .
ولأي شيء نوّع اللّه سبحانه العقوبات البليغة في الدنيا والآخرة . وأشهد عباده منها ما