تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
مقام « إلي » والثاني : أنه أراد التفسير على المعنى . وهو الأشبه بطريق السلف . أي صراط موصل إليّ . وقال مجاهد : الحق يرجع إلى اللّه ، وعليه طريقه ، لا يعرج على شيء . وهذا مثل قول الحسن وأبين منه . وهو من أصح ما قيل في الآية . وقيل : « عليّ » فيه للوجوب ، أي عليّ بيانه وتعريفه والدلالة عليه . والقولان نظير القولين في آية النحل . وهي :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
[ النّحل : 9 ] والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر : أن السبيل القاصد - وهو المستقيم المعتدل - يرجع إلى اللّه ، ويوصل إليه . قال طفيل الغنوي :
مضوا سلفا ، قصد السبيل عليهم * وصرف المنايا بالرجال تشقلب
أي ممرنا عليهم ، وإليهم وصولنا . وقال الآخر :
فهن المنايا : أيّ واد سلكته * عليها طريقي ، أو عليّ طريقها
فإن قيل : لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة « إليّ » التي هي للانتهاء ، لا أداء « علي » التي هي للوجوب . ألا ترى أنه لما أراد الوصول قال :
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
( 26 ) [ الغاشية : 25 ، 26 ] وقال
إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ
[ يونس : 70 ، ولقمان : 23 ] وقال :
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ
[ الأنعام : 108 ] وقال : لما أراد الوجوب
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
( 26 ) [ الغاشية : 26 ] وقال :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
( 17 ) [ القيامة : 17 ] وقال :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ هود : 6 ] ونظائر ذلك ؟ قيل : في أداة « علي » سر لطيف . وهو الإشعار بكون السالك على هذا الصراط على هدى . وهو حق . كما قال في حق المؤمنين
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
[ البقرة : 5 ] وقال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
( 79 ) [ النّمل : 79 ] واللّه عزّ وجلّ هو الحق ، وصراطه حق ، ودينه حق . فمن استقام على صراطه فهو على الحق والهدى . فكان في أداة « علي » على هذا المعنى ما ليس في أداة « إليّ » فتأمله ، فإنه سر بديع . فإن قلت : فما الفائدة في ذكر « علي » في ذلك أيضا . وكيف يكون المؤمن مستعليا على الحق ، وعلى الهدى ؟ . قلت : لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى ، مع ثباته عليه ، واستقامته إليه . فكان في الإتيان بأداة « علي » ما يدل على علوه وثبوته واستقامته . وهذا بخلاف الضلال والريب . فإنه يؤتى فيه بأداة « في » الدالة على انغماس صاحبه ، وانقماعه وتدسسه فيه ، كقوله تعالى :
فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
[ التّوبة : 45 ] وقوله :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ
[ الأنعام : 39 ] وقوله :
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ
( 54 ) [ المؤمنون : 54 ] وقوله :
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ
[ هود : 110 ، وفصلت : 45 ] . وتأمل قوله تعالى :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ سبأ : 24 ] فإن طريق الحق تأخذ علوا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير ، وطريق الضلال تأخذ سفلا ، هاوية بسالكها في أسفل سافلين . وفي قوله تعالى قال :
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
[ الحجر : 41 ] قول ثالث . وهو قول الكسائي : إنه على التهديد والوعيد ، نظير قوله :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) [ الفجر : 14 ] كما قال :