الحق . ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء . فهذا تمام النعمة . ولفظ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] يتضمن الأمرين .
وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضا أمرين : الجزاء بالغضب الذي موجبه غاية العذاب والهوان ، والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه . فإنه أرحم وأرأف من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال . فكأن الغضب عليهم مستلزم لضلالهم . وذكر الضالين مستلزم لغضبه عليهم وعقابه لهم . فإن من ضل استحق العقوبة التي هي موجب ضلاله ، وغضب اللّه عليه .
فاستلزم وصف كل واحد من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبين استلزام ، واقتضاه أكمل اقتضاء ، في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة ، مع ذكر الفاعل في أهل السعادة ، وحذفه في أهل الغضب . وإسناد الفعل إلى السبب في أهل الضلال .
وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة ، والغضب والضلال . فذكر « المغضوب عليهم » و « الضالين » في مقابلة المهتدين المنعم عليهم . وهذا كثير في القرآن ، يقرن بين الضلال والشقاء ، وبين الهدى والفلاح . فالثاني كقوله
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 5 ) [ البقرة : 5 ] وقوله :
أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[ الأنعام : 82 ] والأول كقوله تعالى :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
( 47 ) [ القمر : 47 ] وقوله
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 7 ) [ البقرة : 7 ] وقد جمع سبحانه بين الأمور الأربعة في قوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى
[ طه : 123 ] فهذا الهدى والسعادة . ثم قال :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
( 126 ) [ طه : 124 - 126 ] فذكر الضلال والشقاء .
فالهدى والسعادة متلازمان . والضلال والشقاء متلازمان .
فصل [ في معنى الصراط المستقيم ]
وذكر « الصراط المستقيم » مفردا معرفا تعريفين : تعريفا باللام ، وتعريفا بالإضافة . وذلك يفيد تعيّنه واختصاصه ، وأنه صراط واحد . وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها ، كقوله :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] فوحّد لفظ « الصراط » و « سبيله » . وجمع « السبل » المخالفة له . وقال ابن مسعود « خطّ لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطّا ، وقال : « هذا سبيل اللّه » ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ، وقال :
« هذه سبل ، على كل سبيل شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ قوله تعالى :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( 153 ) [ الأنعام : 153 ] وهذا لأن الطريق الموصل إلى اللّه واحد . وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه . لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق . ولو أتى الناس من كل طريق ، واستفتحوا من كل باب ، فالطرق عليهم مسدودة ، والأبواب عليهم مغلقة ، إلّا من هذا الطريق الواحد . فإنه متصل باللّه ، موصل إلى اللّه . قال اللّه تعالى :
هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
[ الحجر : 41 ] قال الحسن : معناه صراط إليّ مستقيم . وهذا يحتمل أمرين : أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض ، فقامت أداة « علي »