مرادهم على مراده . وعلم سبحانه منهم : أنهم لا يؤثرون مراده البتة . وإنما يؤثرون أهواءهم ومرادهم . فأمرهم ونهاهم . فظهر بأمره ونهيه من القدر الذي قدر عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم ، ومرادهم على مرضاة ربهم ومراده . فقامت عليهم بالمعصية حجة عدله . فعاقبهم بظلمهم .
النفس الأمارة بالسوء
قد ذكرنا أن العبد في الذنب له نظر إلى أربعة أمور : نظر إلى الأمر والنهي ، ونظر إلى الحكم والقضاء : وذكرنا ما يتعلق بهذين النظرين .
النظر الثالث : النظر إلى محل الجناية ومصدرها . وهو النفس الأمارة بالسوء ، ويفيده نظره إليها أمورا .
منها : أن يعرف أنها جاهلة ظالمة . وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح .
ومن وصفه الجهل والظلم لا مطمع في استقامته واعتداله البتة . فيوجب له ذلك بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها به عن وصف الجهل . والعمل الصالح الذي يخرجها به عن وصف الظلم . ومع هذا فجهلها أكثر من علمها وظلمها أعظم من عدلها .
فحقيق بمن هذا شأنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيها شرها . وأن يؤتيها تقواها ويزكيها . فهو خير من زكاها . فإنه ربّها ومولاها ، وأن لا يكله إليها طرفة عين . فإنه إن وكله إليها هلك . فما هلك من هلك إلا حيث وكل إلى نفسه . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لحصين بن المنذر : « قل :
اللهم ألهمني رشدي . وقني شرّ نفسي » وفي خطبة الحاجة : « الحمد للّه . نحمده ونستعينه ، ونستهديه ، ونستغفره . ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا » وقد قال تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ الحشر : 9 ] وقال :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] .
فمن عرف حقيقة نفسه وما طبعت عليه : علم أنها منبع كل شر ، ومأوى كل سوء ، وأن كل خير فيها ففضل من اللّه منّ به عليها . لم يكن منها . كما قال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
[ النّور : 21 ] وقال تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
[ الحجرات : 7 ] فهذا الحب وهذه الكراهة لم يكونا في النفس ولا بها . ولكن هو اللّه الذي منّ بهما ، فجعل العبد بسببهما من الراشدين
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
( 8 ) [ الحجرات : 8 ] « عليم » بمن يصلح لهذا الفضل ويزكو عليه وبه ، ويثمر عنده . « حكيم » فلا يضعه عند غير أهله فيضيعه بوضعه في غير موضعه .
ومنها : ما ذكره صاحب المنازل فقال :
« اللطيفة الثانية : أن يعلم أن نظر البصير الصادق في سيئته لم يبق له حسنة بحال . لأنه يسير بين مشاهدة المنّة . وتطلب عيب النفس والعمل » .
يريد : أن من له بصيرة بنفسه ، وبصيرة بحقوق اللّه . وهو صادق في طلبه : لم يبق له نظره في سيئاته حسنة البتة . فلا يلقى اللّه إلا بالإفلاس المحض ، والفقر الصّرف ، لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح للّه ، وأن تلك البضاعة لا تشترى بها النجاة من