يحب من عبده معاداة عدوه ، ومعصيته ومخالفته ، كما يحب أن يتولّى اللّه مولاه سبحانه ويطيعه ويعبده ، فتنضاف محبته لعبادته وطاعته والإنابة إليه ، إلى محبته لعداوة عدوه ، ومعصيته ومخالفته ، فتشتد المحبة منه سبحانه ، مع حصول محبوبه ، وهذا هو حقيقة الفرح .
وفي صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم في بعض الكتب المتقدمة « عبدي الذي سرّت به نفسي » وهذا لكمال محبته له ، جعله مما تسر نفسه به سبحانه .
ومن هذا « ضحكه » سبحانه من عبده ، حين يأتي من عبوديته بأعظم ما يحبه .
فيضحك سبحانه فرحا ورضا ، كما يضحك من عبده إذا ثار عن وطائه وفراشه ومضاجعة حبيبه إلى خدمته ، يتلو آياته ويتملّقه .
ويضحك من رجل هرب أصحابه عن العدو ، فأقبل إليهم ، وباع نفسه للّه ولقّاهم نحره ، حتى قتل في محبته ورضاه .
ويضحك إلى من أخفى الصدقة عن أصحابه لسائل اعترضهم فلم يعطوه ، فتخلف بأعقابهم وأعطاه سرا ، حيث لا يراه إلا اللّه الذي أعطاه . فهذا الضحك منه حبا له ، وفرحا به . وكذلك الشهيد حين يلقاه يوم القيامة . فيضحك إليه فرحا به وبقدومه عليه .
وليس في إثبات هذه الصفات محذور البتة . فإنه « فرح » ليس كمثله شيء ، و « ضحك » ليس كمثله شيء ، وحكمه حكم رضاه ومحبته ، وإرادته وسائر صفاته ، فالباب باب واحد ، لا تمثيل ولا تعطيل .
وليس ما يلزم به المعطل المثبت إلا ظلم محض ، وتناقض وتلاعب ، فإن هذا لو كان لازما للزم رحمته وإرادته ومشيئته وسمعه وبصره ، وعلمه وسائر صفاته ، فكيف جاء هذا اللزوم لهذه الصفة دون الأخرى ؟ وهل يجد ذو عقل إلى الفرق سبيلا ؟ فما ثمّ إلا التعطيل المحض المطلق ، أو الإثبات المطلق لكل ما ورد به النص ، والتناقض لا يرضاه المحصّلون .
إقامة الحجة على العبد بتبليغه الرسالة
قوله « الثاني : أن يقيم على عبده حجة عدله ، فيعاقبه على ذنبه بحجّته » .
اعتراف العبد بقيام حجة اللّه عليه من لوازم الإيمان . أطاع أم عصى . فإن حجة اللّه قامت على العبد بإرسال الرسول ، وإنزال الكتاب ، وبلوغ ذلك إليه ، وتمكنه من العلم به . سواء علم أو جهل ، فكل من تمكن من معرفة ما أمر اللّه به ونهى عنه . فقصر عنه ولم يعرفه . فقد قامت عليه الحجة ، واللّه سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه . فإذا عاقبه على ذنبه عاقبه بحجته على ظلمه . قال اللّه تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] وقال :
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
[ الملك : 8 ، 9 ] وقال :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
[ هود : 117 ] .
وفي الآية قولان : أحدهما : ما كان ليهلكها بظلم منهم . الثاني : ما كان ليهلكها بظلم منه .
والمعنى على القول الأول : ما كان ليهلكها بظلمهم المتقدم . وهم مصلحون الآن . أي أنهم بعد أن أصلحوا . وتابوا : لم يكن ليهلكهم بما سلف منهم من الظلم .