وضعوا اللحم للبزا * ة على ذروتي عدن
ثم لاموا البزاة أن * خلعوا عنهم الرسن
لو أرادوا صيانتي * ستروا وجهك الحسن
وقال خصم آخر :
أصبحت منفعلا لما تختاره * مني . ففعلي كله طاعات
وقال خصم آخر شاكيا متظلما :
إذا كان المحب قليل حظّ * فما حسناته إلا ذنوب
وقال خصم آخر معتذرا عن إبليس : لما عصى من كان إبليسه ؟ .
ولخصماء اللّه هاهنا تظلمات وشكايات . ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصما متظلما شاكيا عاتبا ، يقول : لا أقدر أن أقول شيئا ، وإني مظلوم في صورة ظالم ، ويقول بحرقة ، ويتنفس الصعداء : مسكين ابن آدم ، لا قادر ولا معذور .
وقال الآخر : ابن آدم كرة تحت صولجانات الأقدار ، يضربها واحد ، ويردها الآخر . وهل تستطيع الكرة الانتصاف من الصولجان ؟ .
ويتمثل خصم آخر بقول الشاعر :
بأبي أنت وإن أس * رفت في هجري وظلمي
فجعله هاجرا بلا ذنب ، ظالما . بل مسرفا . قد تجاوز الحد في ظلمه . ويقول آخر :
أظلّت علينا منك يوما سحابة * أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها
فلا غيمها يجلو ، فييأس طالب * ولا غيثها يأتي . فيروي عطاشها
ويقول آخر :
يدنو إليك ونقص الحظ يبعده * ويستقيم وداعي البين يلويه
ويقول خصم آخر :
واقف في الماء ظمآ * ن ولكن ليس يسقى
ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية ، وعتب ، ويكاد أحدهم يقول : يا ظالمي لولا . ولو فتش نفسه كما ينبغي لوجد ذلك فيها . وهذا ما لا غاية بعده من الجهل والظلم . والإنسان كما قال اللّه تعالى :
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ الأحزاب : 72 ]
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
[ فاطر : 15 ] .
ولو علم هذا الظالم الجاهل أن بلاءه من نفسه ومصابه منها ، وأنها أولى بكل ذم وظلم ، وأنها مأوى كل سوء . و
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
[ العاديات : 6 ] . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة « كفور جحود لنعم اللّه » وقال الحسن « هو الذي يعد المصائب ، وينسى النعم » وقال أبو عبيدة « هو قليل الخير » « والأرض الكنود » التي لا نبت بها . وقيل : التي لا تنبت شيئا من المنافع . وقال الفضل بن عباس « الكنود : الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان » .
ولو علم هذا الظالم الجاهل : أنه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه ،