وما أعظم جبره بها . وما أقربه بها من سيده ! فليس شيء أحبّ إلى سيده من هذه الكسرة ، والخضوع والتذلل ، والإخبات ، والانطراح بين يديه ، والاستسلام له . فللّه ما أحلى قوله في هذه الحال « أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني ، أسألك بقوتك وضعفي ، وبغناك عني وفقري إليك . هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك ، عبيدك سواي كثير ، وليس لي سيد سواك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك . أسألك مسألة المسكين . وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل . وأدعوك دعاء الخائف الضرير ، سؤال من خضعت لك رقبته ، ورغم لك أنفه ، وفاضت لك عيناه ، وذلّ لك قلبه » .
يا من ألوذ به فيما أؤمّله * ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره * ولا يهيضون عظما أنت جابره
فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة . فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتّهم توبته وليرجع إلى تصحيحها ، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة . وما أسهلها باللسان والدعوى ! وما عالج الصادق بشيء أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه .
وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذورات : في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها . ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها . فعندهم - من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم ، وصولة طاعاتهم : ومنّتهم على الخلق بلسان الحال ، واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم ، اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم ، وتوابع ذلك - ما هو أبغض إلى اللّه ، وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك . فإن تدارك اللّه أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها ، ليكسر بها نفسه ، ويعرفه قدره ، ويذله بها ، ويخرج بها صولة الطاعة من قلبه . فهي رحمة في حقه ، كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح ، وإقبال بقلوبهم إليه . فهو رحمة في حقهم ، وإلا فكلاهما على خطر .
أعذار الخليقة : ما بين محمود ومذموم
وأما طلب أعذار الخليقة . فهذا له وجهان . وجه محمود . ووجه مذموم حرام .
فالمذموم : أن تطلب أعذارهم ، نظرا إلى الحكم القدري ، وجريانه عليهم ، شاؤوا أم أبوا ، فتعذرهم بالقدر .
وهذا القدر ينتهي إليه كثير من السالكين ، الناظرين إلى القدر ، الفانين في شهوده .
وهو - كما تقدم - درب خطر جدا ، قليل المنفعة لا ينجي وحده .
وأظن هذا مراد صاحب المنازل . لأنه قال بعد ذلك :
« مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة . ولا استقباح سيئة ، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم » .
وهذا الشهود شهود ناقص مذموم . إن طرده صاحبه . فعذر أعداء اللّه ، وأهل مخالفته ومخالفة رسله ، وطلب أعذارهم : كان مضادّا للّه في أمره ، عاذرا من لم يعذره اللّه ، طالبا عذر من لامه اللّه وأمر بلومه وليست هذه موافقة للّه . بل موافقته لوم هذا . واعتقاد أنه لا عذر له عند