والهجر في الإفاقة ، ولم يثبت الصحو بهذا الاستدراك ؛ لأنه يثبت لنفسه الاحتياج إلى الإفاقة لتدارك حاله بالتوبة الموهوبة ، وأشار إلى هذه في تضاعيف هذا النظم بقوله :
وفي صعق دكّ الحسّ خرّت ، إفاقة * لي ، النّفس ، قبل التّوبة الموسويّة
وهذا كما احتاج موسى - عليه السلام - إليها ، فتدارك ما سبق منه إذ أفاق من صعقته ، وصحى من سكرته بالتوبة ، وقال :
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
[ الأعراف : الآية 143 ] ، لمّا رأى التخلّف من استعداد ، لا من الفيض ، ولمّا كان لزوم هذه الدّاعية مع امتناع حصول المطلوب داء عضالا أشار إلى ما به من المعنى بقوله :
ولو أنّ ما بي بالجبال ، وكان طو * ر سينا بها ، قبل التجلّي ، لدكّت
( الدكّ ) : كسر الشيء وتسويته بالأرض ، الباء في ( بي ) ، و ( بالجبال ) للإلصاق ، وفي ( بها ) بمعنى ( مع ) ، أي : ( لو نزل بالجبال ما نزل بي من أعباء المحن ، والحال أنّ طور سيناء معها لدكّت تلك الجبال قبل التجلّي « 1 » الموسوي « 2 » لها ) ، ثم أخذ في تفصيلها وبيانها ، فقال :
هوى ، عبرة نمّت به ، وجوى نمت * به حرق ، أدواؤها بي أودت [ 49 / ق ]
( هوى ) ، ( جوى ) : خبر مبتدأ محذوف هو ضمير عائد إلى ( ما بي ) ، و ( الهوى ) محبّة معلولة بطلب الحظّ من المحبوب ، وقد يراد به مطلق المحبّة ، و ( الجوى ) حرقة الباطن من حرارة الوجد . ( نمّت ) : من النميمة ، ( نمت ) : مخفف من النموّ ، و ( الأدواء ) : جمع الداء ، ( أودى به ) : أهلكه .
أي : ( ما نزل بي هو هوى ما نمّت به إلّا عبرة ووجد ازدادت به حرقة أهلكتني آلامها ) ، وقوله : ( عبرة ) : مبتدأ نكرة صححه المشابهة بالفاعل من باب ( شرّا هرّ ذا ناب ) ، أي : ( ما نمّ به إلا عبرة ، وعبر عناء وقع به من الابتلاء بهوى ) إشارة إلى بقاء طلب الحظّ فيه وتحرّجه من كشف الهوى بنميمة العبرة ؛ لأنه آثر كتمه فتألّم بكشفه ، ومن تفاصيل أعباء المحبة مضامين هذه الأبيات المرتبة على المعنى المتقدم .
فطوفان نوح ، عند نوحي ، كأدمعي * وإيقاد نيران الخليل كلوعتي
ولولا زفيري أغرقتني أدمعي * ولولا دموعي أحرقتني زفرتي
هامش
( 1 ) التجلّي : هو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب .
( 2 ) نسبة لسيدنا موسى عليه السلام .