والمعنى : ( لمّا سكرت طلبت وصلها وأخذت في المسامرة معها والشكاية إليها : ما نزل بي من الوجد المبرح والشوق الملوّح بواسطة خلوّ حضرة من حضراتها ، أو في مكان خلوّ حضرة ، والحال أنه لم يحضر بي رقيب بقاء حظّ من الحظوظ ) ، استعار لفظ الرقيب لبقاء الحظ لأن الرقيب يمنع المحب عن المحبوب ، وبقاء الحظ كذلك .
والحظوظ قسمان : نفسانية وهي مانعة من القرب ، وروحانية وهي مانعة من الاتّحاد ، فإذا انقطع السيار عن الحظوظ النفسانية إلى حضرة القرب فاز بخلوة يتجلّى فيها المحبوب بصفاته ؛ كموسى - عليه السلام - ومن صفاته الكلام ، وإذا انقطع عن الحظوظ الروحانية إلى حضرة الاتّحاد ، فاز بخلوة يتجلّى فيها المحبوب بذاته ، كمحمد صلى اللّه عليه وسلم [ 45 / ق ] .
وقوله : ( ولم يك رقيب بها ) حظ إشارة إلى انقطاعه عن الحظوظ النفسانية ؛ لأنه طلب الوصل والرؤية ، وهما من الحظوظ الروحانية ، ولا يقدح فيه ذكر حظ منكرا في سياق النفي ، فإنه وإن كان يفيد العموم ، لكنه مخصوص بما قلنا إنه طلب الوصل بقوله تقاضيت وصلها ، والرؤية بقوله :
وقلت ، وحالي بالصّبابة شاهد ، * ووجدي بها ما حيّ ، والفقد مثبّتي
هبّي ، قبل يفني الحبّ مني بقيّة * أراك بها لي نظرة المتلفّت
الواو في ( وحالي ) وما بعدها للحال دخلت على الجمل المعترضة بين ( قلت ) ومفعوله ، وهو ( هبّي ) أمر للمؤنّث من وهب يهب هبة .
( الصبابة ) : شدة الشوق والوجد مصادفة الباطن نور التجلّي ، و ( الفقد ) :
مزايلته ، و ( المحو ) : إزالة الأوصاف البشرية ونتيجة الوجد والإثبات إبداؤه وتولّده بالفقد .
و ( ماحي ) اسم فاعل محا يمحو محوا مضاف إلى ياء المتكلّم أدغمت ياؤه فيها ، وأضاف ( قبل ) إلى ( يفني ) للتوسّع في الظروف ، وبقيّة مفعول ( يفني ) ، ومحل ( أراك ) بها نصب لوقوعه صفة بها ، و ( نظرة ) أحد مفعولي ( هبي ) ، والثاني ( لي ) ، وأراد بالحال ما لاح منه من علامات المحبّة .
والباء في ( بها ) للسببيّة في الموضعين ، ومفعول ( وجدي ) محذوف تقديره :
( ووجدي إياها بها ) أخذ في تفصيل ما أجمل ذكره من إثبات ما به ، أي : ( وقلت لها :