ومشقّة المسافرة ، يستحقر ما كان يستعظمه من الكدح والمكابدة « أ » .
« وتخلّص من رعونة المعارضات » يعني أنّ ملاحظة عين الجمع توجب فناء الكلّ ، فلا ينكر صاحبها شيئا ممّا يصدر عن المخلوقات ويبدو من الخلائق من أحكام التعيّنات والبشريّات ؛ لأنّه يرى الأفعال كلّها من الحقّ ، ولا يرى للخلق فعلا ولا تأثيرا ولا وجودا ولا رسما ولا أثرا ؛ فيرى أنّ مراد اللّه « 1 » من الخلق ما هم عليه ، بل يرى الحقّ متجلّيا بصور أعيانهم ، فاعلا ما يفعل بمظاهرهم ؛ فكيف يعارض شيئا من أفعالهم بالإنكار عليه ؟ وهو يعلم أنّ المعارضات من رعونات الأنفس ووقوفها « 2 » عند رسومها ، ولم يبق في شهوده رسم لنفسه ولا لغيره - فلا معارضة أصلا .
« وتفيد مطالعة البدايات » يعني أنّ العبد ما دام في السلوك لا يتفرّغ إلى
هامش
( 1 ) ه : + تعالى .
( 2 ) د : فوقوفها .
( أ ) قد يتوهّم من كلام الشارح هنا وكذا مما قاله التلمساني في المقام أنّ العبد يصل إلى مقام يستغني فيه عن العبادة والقيام بحقّ الطاعات ، وهذا باطل لا مرية فيه ، وقد أطال ابن القيم في ذلك - وما قاله الحقّ .
ولكنّه أفرط في القول ، حيث لم يتأمّل في الغرض من قول التلمساني « القرب الحقيقي ينقل الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ويريح الجسد والجوارح »
وهذا يعني أن الإنسان المقرّب الكامل يهتمّ بالعبادات الباطنة وجمع الهمّة في التوجّه نحو الحقّ أكثر من اهتمامه بالعبادات الظاهرة والجسديّة . وذلك واضح من الكتاب والسنّة وسيرة السلف وأقوال العرفاء المعروفين .
فقد نقل السلمي ( الطبقات : 158 ) عن أبي محمد الجريري يقول : سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة ، فقال : « أهل المعرفة باللّه ، يصلون إلى ترك الحركات - من باب البرّ والتقوى - إلى اللّه تعالى » . فقال الجنيد : « إنّ هذا قول قوم تكلّموا بإسقاط الأعمال ، وهذه عندي عظيمة .
والذي يسرق ويزني ، أحسن حالا من الذي يقول هذا . . . » .
ثمّ في كلام الشارح : « والواصل إن تحرّك هلك » نظر ، إذ لا منتهى للوصول حتّى يتوقّف أحد عن السير - وإلّا كان الحقّ متناهيا - إلّا أن يفسّر الهلاكة في كلامه بالفناء المحض .