فإنّ الصادق منزّه عن رؤية العمل ، وإلّا كان حاضرا مع العمل - لا مع اللّه - آنسا بغير الحقّ ، محجوبا بالعمل عنه .
« وعلامته أن لا يحتمل داعية تدعو إلى نقض عهد » فإنّه مغلوب في قصده ، مجذوب إلى الحقّ باستعداده الفطريّ ، مطلوب لهذا الشأن ؛ يستحيل منه نقض العهد « فلا يحتمل داعية تدعوه إلى نقضه « 1 » » لأنّه منجذب بالذات إلى الوفاء بالعهد .
وإنّما « لا يصبر على صحبة ضدّ » لأنّه وحدانيّ الوجهة « 2 » ، دائم الانس بالحقّ ، متيقّظ في أمره ؛ وضدّه دائم الغفلة ، مائل إلى التفرقة ، مخالف له في الوجهة ؛ فلا يصبر على صحبته - نطق أو سكت - لمنافاته له « 3 » فإن نطق :
نطق عن التفرقة بحكم الغفلة ، فشوّش وقته وحضوره ، وإن سكت سرى إليه باطنه المظلم بالتفرقة ؛ وهذا الصادق لصفاء باطنه وتنوّر قلبه لطيف الإدراك ، محسّ بظلمة باطنه وثقل تعلّقه ، فلا يحتمل صحبته ولا يداهنه ولا يداجيه « أ » ولا يداريه ، لأنّه يرى ذلك نفاقا وسوء أدب ، إذ لابدّ في صحبته من إظهار خلاف ما في باطنه ، وهو مناف للصدق الذي « 4 » هو مقامه .
ولا يخلو ذلك من فتور ، وهو لشدّة انجذابه إلى الحقّ بالذات لا يفترّ عن الجدّ والاجتهاد بحال ؛ فكيف يقعد مع أهل الغفلة فاترا عن جدّه ؛ فإنّ المضادّة لا يخلو عن الممانعة ، وهو يطلب المعاونة في أمره .
- [ م ] والدرجة الثانية : أن لا يتمنّى الحياة إلّا للحقّ ، ولا يشهد من نفسه إلّا أثر النقصان ، ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص .
هامش
( 1 ) ه : إلى نقض عهد . د : إلى تقصير .
( 2 ) د خ : الوجه .
( 3 ) د : - له .
( 4 ) د : والذي
( أ ) داجاه مداجاة : داراه وساتره العداوة .