مراتب الإدراك :
وهذه الإدراكات الحاصلة عن التفكير والنظر ليست على درجة واحدة في القوة والضعف ؛ فمنها ما هو قوى معتبر ، ومنها ما هو ضعيف ساقط عن الاعتبار :
فالأول : العلم ؛ وهو إدراك أمر على وجه لا يحتمل أن يكون ذلك الأمر على وجه من الوجوه سواه ، وهو علم الاعتبار .
ويليه الظن ، وهو إدراك الأمر على وجه هو أرجح الوجوه المحتملة ، وهو معتبر عندما تتبين قوة رجحانه فيما لا يمكن فيه إلا ذاك ، وهذه هي الحالة التي يطلق عليه فيها لفظ ( العلم ) مجازا .
والثاني : الوهم ، وهو إدراك الأمر على الوجه المرجوح .
والشك : وهو إدراك الأمر على الوجهين ، أو وجوه متساوية في الاحتمال ، وكلا هذين لا يعول عليه .
العلم ضابط كل شيء :
ولما كان الإنسان - بما فطر عليه من الضعف والاستعجال - كثيرا ما يبنى أقواله وأفعاله واعتقاداته على شكوكه وأوهامه ، وعلى ظنونه حيث لا يكتفى بالظن ، وفي هذا البناء والضرر والضلال . . . بين اللّه تعالى لعباده في محكم كتابه أنه لا يجوز لهم ، ولا يصح منهم البناء لأقوالهم ، وأعمالهم ، واعتقاداتهم ، إلا على إدراك واحد وهو العلم ، فقال تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
( 36 ) ، أي : لا تتبع ما لا علم لك به ، فلا يكن منك اتباع بالقول ، أو بالفعل ، أو بالقلب ، لما لا تعلم ؛ فنهانا عن أن نعتقد إلا عن علم ، أو نفعل إلا عن علم ، أو نقول إلا عن علم .
العلم ضابط ما ترى :
فما كل ما نسمعه ، وما كل ما نراه نطوى عليه عقد قلوبنا ، بل علينا أن ننظر فيه ، ونفكر فإذا عرفناه عن بينة اعتقدناه ، وإلا تركناه حيث هو ؛ في دائرة الشكوك والأوهام ، أو الظنون التي لا تعتبر .
وما نسمع :
ولا كل ما نسمعه أو نراه أو نتخيله نقوله ؛ فكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ،