كل مخلوق ، فلا يزال المؤمن لهذا قوى القلب ، عزيز النفس باللّه ، لا ينتظر قوة ضعفه إلا به ، ولا سد مفاقره إلا منه .
ولقلب المؤمن الموحد أمام من يحب في اللّه ويعظم بتعظيم اللّه خضوع أيضا ، ولكنه خضوع هيبة وتوقير وإجلال ، لا خضوع ذل وخنوع وضعف وافتقار ، إذ هذا - كما قدمنا - لا يكون إلا للغنى القوى العزيز القهار .
مظاهر الخنوع :
من مظاهر هذا الخنوع الذي لا يكون إلا للّه : الطاعة والانقياد ، وهي أيضا لا تكون إلا له .
وقد قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى
بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 23 ) [ الجاثية : 23 ] ، أي : أطاعه واتبعه .
كما قال تعالى :
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
( 3 ) [ القمر : 3 ] .
فمن اتبع مخلوقا وأطاعه فيما يأمره وينهاه ، دون أن يكون في طاعته مراعيا طاعة اللّه فقد عبده ، واتخذه ربا فيما أطاعه فيه .
وفي حديث عدى بن حاتم الذي رواه الترمذي وغيره ، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمعه يتلو قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
( 31 ) [ التوبة : 31 ] فقال عدى : يا رسول اللّه إنهم لم يكونوا يعبدونهم .
قال : ( أليس كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه ، وإذا أحلوا لهم شيئا أحلوه ؟ ) قال ، قلت : نعم .
قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ( فتلك عبادتهم إياهم ) « 1 »
فالمؤمن الموحد لا تكون طاعته إلا للّه ، أو لمن طاعته طاعة للّه .
الدعاء ومنزلته :
ومن مظاهر ذلك الخنوع : الدعاء والسؤال والتضرع والجؤار إليه :
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 278 ) . واللالكائي في اعتقاد أهل السنة ( 4 / 703 ) ، والبيهقي في المدخل ( ص 409 ) .