لكمال معرفته ونهاية علمه وشرف قدره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صلاة ترضيه وتزيده شرفا وعزّا وتخصيصا وقربا ومقامات دانية تدنيه .
فثبت بطريق العقل والنقل أن ما عرف اللّه تعالى على الحقيقة أحد من خلقه ، ولا عرفه معرفة تجب له سواه جلّ وعلا . قال الشاعر : [ الطويل ]
نطقت بلا نطق هو النّطق إنّه * لك النّطق لفظا أو يبين على النّطق
تراءيت كي تخفى وقد كنت خافيا * وألممت لي برقا فأنطقت بالبرق
فمن لي بالنّطق الحقيقيّ إنّني * فقير من الأشياء بالحقّ للحقّ
جهلت فلم أعلم أشرت فلم أفد * وصرت له عبدا فمن لي بالعتق
فنيت به عنّي وكنت به خفى * فإن شاء أفناني وإن شاء لي يبقي
وما أحد يدري سوى اللّه نفسه * وكلّ له بالجهل ينطق بالصّدق
واعلم أن الناس في ذكر توحيدهم على ثلاثة أقسام . عموما لأهل البداية الذكر باللسان نطقا ومقالا وإقرارا بالشهادة وهو الإسلام . وخصوصا لأهل التوسّط الذكر بالقلب تصديقا واعتقادا وصدقا وإخلاصا وهو الإيمان ، وخصوص الخصوص لأهل النهاية ، الذكر بالعقل عيانا يقينا مشاهدة بضرورة الطبع . وهو الإحسان والتفاوت في مراتب معرفة الخلق وتوحيدهم موجود على قدر رتبة الخصوص والعموم في معرفة توحيد الجملة والتفصيل من معرفة الأسماء والصفات خاصة لا معرفة الذات . لأن أصل المعرفة معرفة حق ومعرفة حقيقة . فمعرفة الحقيقة هي معرفة الذات ولا سبيل إليها لامتناع الضدية . فإن العجز عن درك الإدراك إدراك . والبحث عن ذات الذات اشتراك . قال تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] وقال أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه وأرضاه : فسبحان من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته .
وأما معرفة حق فهي معرفة الأسماء والصفات وهي مفتوح للخلق بابها وفيها وقع التفاوت بين أهل المعرفة . فمنهم من نظر إلى أفعاله من حيث إنها أفعاله وصنعته وذلك حد معرفة عقله وإدراك عقله لا يتعداه .
ومنهم من نظر إلى قدرة القادر ولاحظ صفاته ، ورأى حكمته ولم تحجبه الأفعال عن الصفة وذلك حدّ معرفته وإدراك عقله لا يتعداه .