فيكون معنى الحكمة العام : أن اللّه سبحانه وتعالى خالق كل شيء ، القائل :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 )
[ الملك : 14 ] علم أننا نضجر ونسأم من تكرار العمل الواحد لذلك فرض علينا أعمالا متنوعة لكي نتجنب الوقوع في هذا الملل قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« إنّ اللّه لا يمل حتى تملّوا » .
وفي ذلك قيل :
لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة * إلا التنقل من حال إلى حال
قال الشيخ أحمد زروق رحمه اللّه تعالى : لونت له ( أي للعبد ) الطاعة ( أي العبادات ) لثلاثة أوجه : أحدها : رحمة به ليستريح من لون إلى لون ، والثاني : إقامة للحجة عليه إذ لا عذر له في الترك ( أي لعدم وجود الملل والسآمة ) ، والثالث : ليثبت له النسبة في العمل بوجود التخيير في الجملة فتكمل الكرامة وتسهل الطاعة ( وهذا خاص بنوافل الطاعات ) .
وأيضا لمّا علم الحق تعالى من عباده وجود الشره وهو حبهم الشديد للخير والعجلة في كسبه مصداقا لقوله تعالى :
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 )
[ العاديات : 8 ] وقوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
[ الأنبياء : 37 ] وقوله :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
[ الإسراء : 11 ] وقوله مخاطبا نبيه :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
[ طه : 114 ] ، مما سيدفعهم للسرعة المؤدية لوجود النقص في العبادة ، لأنه سيصبح همهم فعل الصلاة لا إقامة الصلاة ، منعهم من فعل بعض الطاعات في بعض الأوقات ليكون همهم إقامة الصلاة لا مجرد فعل الصلاة وإيجاد صورتها . قال الشيخ أبو العباس المرسي رحمه اللّه تعالى : « كل موضع ذكر فيه المصلون في معرض المدح ، فإنه إنما جاء لمن أقام الصلاة ، إما بلفظ الإقامة ، أو بمعنى يرجع إليها ، قال اللّه سبحانه :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
[ البقرة : 3 ] وقال اللّه تعالى :
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
[ إبراهيم : 40 ] وقال اللّه عزّ وجل :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
[ هود : 114 ] وقوله
وَإِقامَ الصَّلاةِ
[ الأنبياء : 73 ] وقوله :
وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ
[ الحجّ : 35 ] . ولما ذكر اللّه تعالى المصلين بالغفلة قال :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 )
[ الماعون : الآيتان 4 ، 5 ] ولم يقل فويل للمقيمين الصلاة الذين هم عن صلاتهم ساهون » .
يتبين لنا مما تقدم أن على المسلم أن يكون همه إقامة الطاعة ، بحفظ أركانها وسننها والخشوع فيها والحضور مع اللّه فيها ، لا مجرد فعلها ليجد ثمرتها في روحه وقلبه ونفسه وسلوكه ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة