[ 5 - الاستسلام إلى اللّه ، والتّضرّع إليه ، وحسن الظّنّ به ، وتجديد التّوبة إليه ]
ومما كتب به لبعض إخوانه وبعد فلا أرى شيئا أنفع لك من أمور أربعة : الاستسلام إلى اللّه ، والتّضرّع إليه ، وحسن الظّنّ به ، وتجديد التّوبة إليه ولو عدت إلى الذّنب في اليوم سبعين مرّة .
ففي الاستسلام إليه الرّاحة من التّدبير معه عاجلا ، والظّفر بالمنّة العظمى آجلا ، والسّلامة من الشّرك بالمنازعة ، ومن أين لك أن تنازعه فيما لا تملكه معه ، وألق نفسك في مملكته فإنّك قليل في كثيرها ، وصغير في كبيرها ، يدبّرك كما يدبّرها ، فلا تخرج عمّا هو لك من العبوديّة ، إلى ما ليس لك من ادّعاء وصف الرّبوبيّة ، فإنّ التّدبير والاختيار ، من كبائر القلوب والأسرار وتجد ذلك في كتاب اللّه تعالى ، قال اللّه تعالى :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 )
[ القصص : 68 ] .
وأمّا التّضرّع إلى اللّه تعالى ففيه نزول الزّوائد ، ورفع الشّدائد ، والانطواء في أردية المنن ، والسّلامة من المحن ، فتعوّض جزاء ذلك أن يتولّى مولاك الدّفع عن نفسك في المضارّ ، والجلب لك في المسارّ ، وهو الباب الأعظم ، والسّبيل الأقوم ، يؤثّر مع الكفران ، فكيف لا يؤثّر مع الإيمان ؟ ألم تسمع قوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ( 67 )
[ الإسراء : 67 ] أي فأجابكم ، وهو الباب الذي جعله اللّه تعالى بينه وبين عباده ، ترد واردات الألطاف على من توجّه إليه ، وتتوالى المنن على من وقف به عليه ، ويصل إلى حقيقة العناية من دخل منه إليه ، ومتى فتح عليك به فتح عليك من كلّ خيراته ، وأوسع هباته ، وتجد ذلك في كتاب اللّه تعالى . قال اللّه تعالى :
فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا
[ الأنعام : 43 ] .