ولما تقرر أن الصفات الواصلة إلى المحبّ من تجلّيات المحبوب لا نهاية لها كان الشوق إلى حصولها واللذة بنيلها لا نهاية لها أيضا ، ولا يدخل ذلك تحت عبارة : [ من الكامل ]
شوقي إليك مجاوز وصفي * وظهور وجدي دون ما أخفي
يا ليت جسمي كلّه حدق * حتى أراك وليته يكفي
ما دار ذكر منك في خلدي * إلا طرفت بدمعتي طرفي « 1 »
تنبيه : واعلم أن لذّة المشاهدة بقدر كمال الإدراك ، وكمال الإدراك يختلف بأمور هي اختلاف المدرك والمدرك والإدراك وتفاوتها في الكمال والنقص .
أما المدرك وهو صفات المحبوب التي تتجلى بها المحبة ، فمتى كانت على غاية الكمال ونهاية الحسن والجمال كانت المشاهدة أكمل . الثاني المدرك وهو المحبّ ، فمتى كان المحب في نهاية المحبة ونفسه في نهاية الشوق وعلى غاية الصفو والرقّة كانت لذة الإدراك والمشاهدة أعظم . الثالث حالة الإدراك وذلك أن الذي يشاهد محبوبه في صفاء الجو عند انتصاف النهار دون حائل ولا تشويش أكمل لذّة من الذي يشاهده خلف ستر أو في غيم ، وكلما كان الإدراك أتمّ كانت اللذّة أعظم وأكمل : [ من الوافر ]
أراك تزيد في عيني جمالا * وأعشق كلّ يوم منك حالا
تزيد ملاحة وأزيد عشقا * فحالي فيك ينتقل انتقالا
فهذا ما أمكن من العبارة بحسب ما يليق بهذا الكتاب .
هامش
( 1 ) هذه الأبيات هي للشاعر العباسي الوأواء الدمشقي محمد بن أحمد الحناني أبو الفرج ( ؟ - والمتوفّى سنة 385 ه ) .