قيل : [ من المجتث ]
فهل سمعتم بصبّ * صحيح قلب سقيم
منعّم في عذاب * معذّب في نعيم
فالمحبّ يتنعم بما به يتعذّب ويتعذّب بما به يتنعّم ، إلا أنّ هذا العذاب محبوب جدّا لامتزاجه بلذّة المحبة واتحاده بها : [ من البسيط ]
يا من يعذّبني لمّا تملّكني * ماذا تريد بتعذيبي وإضراري
تروق حسنا وفيك الموت أجمعه * كالصقل في السيف أو كالنور في النار « 1 »
وكلما عظمت لذة المحبة خفي الألم وامّحق كما ينمحق نور السراج في نور الشمس ولا سيما عند المشاهدة ، إذ الإحساس بالألم مانع من صفاء المشاهدة وشائب فيها . ألا تر أن المحبة حجاب عن شهود المحبوب إذ الأصل الخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب ، ولا تخلص المحبة عن شائبة الألم إلا عند حالة الاتحاد على ما قررنا في هذا الكتاب .
إشارة : وإذا كانت الصفات المشهودة من المحبوب لا تحصى كثرة ولا يمكن ورودها عن المحبّ جملة بل تتعاقب بحسب زيادة الإدراك ، وكل صفة منها توجب في النفس أثرا فإذا لا يزال المحبّ أبدا يسعى في طلب الزيادة ، فمهما تبدّت له من محبوبه صورة جميلة اشتاق إلى إدراكها لتحصيل لذتها بها ، فإذا أدركها طلب إدراك ما هو أعلى ، إذ تجلّيات المحبوب لا آخر لها ، والشوق يحرّك المحبّ إلى تكميلها ، فهو بالشوق إلى تحصيل هذا الكمال يتألّم وبالنظر إلى جمال ما يشاهده من محبوبه يتنعّم ، كما قيل : [ من البسيط ]
ما يرجع الطرف عنه حين يبصره * حتى يعود إليه الطرف مشتاقا
فالمحب لا يقنعه من محبوبه شيء ، ولا يقف في شهوده مع شيء دون شيء ، حتى يصل إلى الكمال في المشاهدة .
هامش
( 1 ) هذان البيتان هما للشاعر الأندلسي ابن سارة أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن سارة البكري الشنتريني ( ؟ - والمتوفّى سنة 517 ه ) .