قوله : ( وقال لي : اعرف من أنت فمعرفتك من أنت هي قاعدتك التي لا تنهدم وهي سكينتك التي لا تزول ) .
قلت : هذا معناه اعرف نفسك ، وقد قيل : انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم ، ولكن ظاهر اللفظ لا يعطي المراد منه دون ضميمة مقدمات سابقة دالة على تخصيص المراد ، والمراد أنك لست غيرا بعد الفناء في التوحيد . وهذا إذا شهد شهودا كليّا كان قاعدة لا تنهدم وسكينة لا تزل .
قوله : ( وقال لي : فرضت عليك أن تعرف من أنت ، أنت وليّ وأنا وليك ) .
قلت : اعلم أن الولاية في الرسل عليهم السلام لها صورة في أتباع الأنبياء عليهم السلام لها صورة . فذكر الشيخ محيي الدين رحمه اللّه رحمة واسعة أن ولاية الرسل عليهم السلام فوق نبوتهم ، وثبوتهم فوق رسالتهم .
وقد ذكر في بيت شعر وهو قوله :
مقام النبوة في برزخ * دون الولي وفوق الرسول
فكأنه قال : مقام ولاية الرسول فوق نبوته ، ومقام نبوته فوق مقام رسالته فقط . وذلك لأن الولاية أخذ عن اللّه تعالى بلا واسطة ، والنبوة مشتقة من الإنباء الذي هو الإخبار ، وذلك أخذ عن اللّه تعالى بواسطة ملك .
ولا شك أن الأخذ عن اللّه تعالى بلا واسطة هو فوق مقام الأخذ عنه بواسطة ، وأما كون النبوة فوق مقام الرسالة فلأن النبوة أخذ عن اللّه تعالى بواسطة جبرائيل مثلا ، وذلك حال فوق حال من هو مع الناس في أدائه ما وصل إليه بطريق جبرائيل . وأما حال الولاية بالنسبة إلى أتباع الأنبياء عليهم السلام فذلك أخذ عن اللّه بلا واسطة وليس لهم مقام نبوة إلا ما ورد أن : « الرؤيا الصادقة جزء من نيف وأربعين جزءا من النبوة » « 1 » . وليس لهم مقام رسالة إلا ما هو مأمول به من الإرشاد كما ورد في الكتاب العزيز من قوله تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
[ يوسف : الآية 108 ] ، فقوله : ومن اتبعني دال على ثبوت
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الصغير ، باب الميم في اسمه محمد ، حديث رقم ( 928 ) [ 2 / 141 ] والهيثمي في مجمع الزوائد ، وعزاه إلى الطبراني في الكبير والصغير والبزار .