الرخص المختصة بالعارفين حقيقية وليس هو منهم إذ تحقق المعرفة إنما يكون بعد قطع العلائق أولا ، والسلوك وممارسة العبودية تماما ثم يقع اليقين الذي يعطي الطمأنينة فيحصل الرخص فيما عدا الفرائض . ورأينا قوما يدعون أنهم من أهل الطريق صاروا زبيبا قبل أن صاروا حصرما فما كانت فيهم لا حلاوة الزبيب ولا حموضة الحصرم .
31 - موقف استوى الكشف والحجاب
قوله : ( أوقفني وقال لي : كل شيء لا يواصلك صلة لي فإنما يواصلك ويختدعك ) .
قلت : معناه أن السلوك ربما لا يكون المحط فيه عليه تعالى ؛ فهو خديعة ، ولو كان أعلى الجنات ومحل الرضوان .
قوله : ( وقال لي : انظر بعين قلبك إلى قلبك وانظر بقلبك كله إليّ ) .
قلت : معناه راقب قلبك لئلا يغفل عن ملاحظتي ، ثم اجعل نظرك بعين قلبك إلى قلبك ، إنما هو من أجلي لا من أجل قلبك ، فإذا فعلت ذلك انحفظ قلبك وانجمع كله على المراقبة .
قوله : ( وقال لي : إذا رأيتني استوى الكشف والحجاب ) .
قلت : معناه أنه يرى ما كان يظنه غيرا عينا ؛ فيصير الكشف بعد والحجاب كعين واحدة ، وبذلك يظهر المحقق بصورة المحجوب فلا يفرق بينهما إلا محقق وبهذا الشبه ضاع حق المحقق بين الناس .
قوله : ( وقال لي : إذا لم ترني فاعتضد بالثمرة ولا تعضدك ولكنها محل فقرك ) .
قلت : يريد بالثمرة ثمرة أعماله الصالحة - هذا على من يروي الثمرة بالتاء المثلثة - وأما من يرويها بالتاء بنقطتين فمعناه اعتضد بأقل الأشياء كالثمرة مثلا ؛ فإنها وإن كانت حقيرة فقرك أيضا حقير أي كثير .
قوله : ( وقال لي : وارني عن اسمي وإلا رأيته ولم ترني ) .
قلت : هذا إشارة إلى التجلي الذاتي الذي يغيب فيه الاسم في المسمى ، فكأنه قال انظر إليّ ولا تنظر إلى أسمائي .