قوله : ( وقال لي : لا يكون إلي المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء ) .
قلت : معناه لا يكون ممن يشهد معنى قوله :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
( 42 ) [ النجم : الآية 42 ] حتى تراني عاقبة كل مفقود في شهودي فتراني وحدي بعد ذهاب المعترضات ، وذهابها هو بأن تراها صفات له وليست غيرا له .
قوله : ( وقال لي : إثباتي لا يمتحي به ولا بي ، إني أنا الحكيم المتقن على علم ما وضعت ) .
قلت : معناه أن تشهد الأشياء غير معدومة ، لكن تشهدها منه فليس غيره ، فإذن لا يمتحي ، فإن الحكيم المتقن لأوصاف العلم لا يمحو شيئا أثبته لكن من حيث إنه وصف فيجد الكثرة في غير الوحدة ، وفي نسخة وضعت ومعناه خلقت .
قوله : ( وقال لي : انظر إليّ ولا تطرف يكن ذلك أول جهادك فيّ ) .
قلت : معناه إن الجهاد في سبيل اللّه هو نصيب العلم ، وأما الجهاد في اللّه حق جهاده فهو أول ذلك أن يرى الحق فلا يطرف عنه إلى ملاحظة السوى ، ولو كان اسمه أو صفته .
قوله : ( وقال لي : ابن أمرك على الخوف أثبته بالهم ولا تبن أمرك على الرجاء اهدمه إذا تكامل العمل ) .
قلت : هذا التنزل ليس هذا الموقف موقفه إذ هو لائق بأهل البداية ، وهو مما يدل على ما قيل إن الذي ألف هذه المواقف هو ولد ولد الشيخ النفري رحمه اللّه ، وليس هو الشيخ نفسه إذ كان الشيخ لم يؤلف كتابا إنما كان يكتب هذه التنزلات في جزازات أوراق نقلت بعده ، فإنه كان مؤلها لا يقيم بأرض ، ولا يتعرف إلى أحد ، وذكر أنه توفي بأرض مصر في بعض قراها ، واللّه أعلم بجلية أمره .
وأما التنزل فهو لأهل البداية الذين بين الرجاء والخوف وقد آثر الخوف على الرجاء باللازم عن كل واحد منهما ، فإن الخائف لا يخرج إما أن يكون خوفه مع الطاعة فيخاف أن لا تقبل ، أو مع المعصية فيخاف الجزاء عليها ، وأيّا ما كان فهو صاحب هم أي اهتمام في طلب الخلاص ، والهمة والاهتمام يقظة . وأما الراجي فلا يخرج إما أن يكون رجاؤه بعد طاعته أو غيرها .