ثم إنه أمر بوزن العمل بميزان الإخلاص هو أن يخلص النية فيه من شائبة ملاحظة السوى فالنية إذن معتبرة في العلم والعمل على قاعدة واحدة وهي تجنب رؤية السوى .
13 - موقف التذكّر
قوله : ( أوقفني في التذكرة وقال لي : لا تثبت إلا بطاعة الأمر ، ولا تستقيم إلا بطاعة النهي ) .
قلت : التذكرة هي كما علمت أن تذكر ناسيا أو غافلا ، ولا يستقيم هنا أن يراد بالناس هو الذي نسي اللّه فنسيه أو غفل عن الأعمال بالأصالة ، فترك العمل وأهمله ، فإن القوم لا يذكرون من هذه حاله ، بل يستبعدون أن يكون أحد بهذه المثابة حتى أن من كانت هذه حاله منهم قديما ثم صار من القوم فغلب عليه وصفهم حتى ينسى حاله الأول ومن كان معه عليها ، لأن الحق يذهب الباطل ويدمغه ، فإذا هو زاهق .
وإذا لم يكن المراد بأهل النسيان والغفلة هذه الطائفة الرذلة ، فالمراد من فوقهم وهم القوم الذين إن نسوا مرة فإنما ينسون الأولى ، وإن غفلوا غفلة فلعلها ليست فعلة بل قولا ، فالتذكرة إذن إنما هي لهؤلاء ، فإذن التذكرة لا تثبت إلا بطاعة الأمر الذي هو نصيب هؤلاء ولا تستقيم تماما إلا بطاعة النهي ، ويجوز في معناه شرح آخر وهو أن من لا يأتمر في نفسه بأوامر الطاعة ، ولا ينتهي في نفسه بزواجر النهي عن المعصية لم يثبت له أن يذكر غيره ، ولا يستقيم أن ينهي عن المنكر سواه . وهذا الشرح الثاني هو في مضمون قول الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم « 1 »
هامش
( 1 ) هذان هما لأبي الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني ، المتوفّى سنة 69 ه ، والبيتان من البحر الكامل وتفعيلته :متفاعلن متفاعلن متفاعلن( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي ، أبو ظبي ) .