في كل عمل من أعماله ، وهذا العامل الذي هذه صفته هو الذي يستحق نعمة الدوام في العمل ؛ لأنه يشهد العامل من هو ؛ فلا يرى لنفسه استحقاق مجازاة ؛ فهذا هو صاحب نعيم الدوام في المجازات . فكأن مضمون التنزل هو أن يحث السالك على أن يشتغل بملاحظة الحق تعالى عن العمل ، وإن كان عاملا هذا للناقص وملاحظته لنقصانه بشهود الفاعل الحق عن فعل نفسه فهو إرشاد .
وأما تفسير ما في هذا التنزل من وجه العزاء الذي هو التعوض عن الفايت ، فهو ما ذكر إما بالنسبة إلى الناقص المذكور وهو المحجوب فهو أن يعظم له الجزاء عندما يفنى بالتوكل أو التسليم أو التفويض عن اعتبار العمل ، فهؤلاء يعظم لهم دوام النعيم في الجزاء بما يجدونه من حلاوات حصول هذه المقامات التي هي التوكل والتسليم والتفويض ، وهي أحوال سنية ومقامات علية يتحققون عند ذوقها أنه حصل لهم من المجازاة ما لم يحصل للقوم الذين هم يعدون الأعمال الصالحة ويتحججون بكثرتها وأنها ناجحة ، فإذن تاريخ النعيم الدوامي لهؤلاء هو أيام ذلك الفناء الخاص في العمل ، وهذا التفوض عزاء . . . فافهم .
وأما من فوقهم فعزاؤهم بأن يجدوا من العوض ما هو أعلى من عوض من ذكر ، فإن فناءهم كان بالحق تعالى وبتجليه النوري ، فيجدون من حلاوة أحوال المواجيد ولذاذات مطالعات الخباب القدسي ما يستصغرون معه كل مجازاة ، فإذن تاريخ نعمة الدوام لهؤلاء هي تلك الأيام التي هي أيام الفناء في العمل ، فالحظ ما في هذا اللفظ من هذا التنزل من الحلاوة ، وما على فصاحته من الطلاوة ، ولتعلم أن الحال في السلوك هو هذا فاعمل بموجبه ، فإنه يوصل كل سالك إلى سني مطلبه ولا يعدل عن مذهبه ، وقد بمنصبه تسعد وهذا هو عزاؤهم .
قوله : ( وقال لي : إن قلت لك أنا فانتظرت أخباري فلست من أهلي ) .
قلت : اعلم أن خطاب الحق لأوليائه إنما هو تجل لا بالحروف والصوت ، ولي في هذا المعنى أبيات وهي :
إذ وافا خطابك عن تجل * بلا مثل ولا صوت وحرف
فذاك الحق لا ما جاء نطقا * على قانون عادات وعرف
فإن قال امرؤ فخطاب موسى * فقل لا كيف فيه وذاك يكفي