قوله : منيخة بفناء الجمع ، أي تلك المشاهدة المذكورة منيخة بفناء الجمع ، والإناخة معروفة ، وهي أن تبرك الناقة أو البعير ، والفناء هو ساحة في جانب الدّار ، وهذا مثل مضروب ، كأنّه مثّل المشاهد بالمسافر ، والمشاهدة بناقته التي يسافر عليها ، وشبّه حضرة الجمع بالدّار وقد أناخ المشاهد ناقته بفنائها ، أي في جانب من جوانبها ، كلّ ذلك إشارة إلى إشرافه على حضرة الجمع ، فإنّ نور الوجود لا يلوح إلّا منها .
[ الدّرجة الثانية : مشاهدة المعاينة تقطع حبال الشّواهد ]
الدّرجة الثانية :
مشاهدة المعاينة تقطع حبال الشّواهد ، وتلبس نعوت القدس ، وتخرس ألسنة الإشارات .
( 1 ) هذه المشاهدة الثانية هي فوق مشاهدة المعرفة ، لأنّ تلك عن لوائح نور الوجود ، واللّوائح هي البوارق ، وهذه مشاهدة معاينة الوجود نفسه ، لا بوارق نوره ، فهي أعلى ، والمعاينة أن تقع العين في العين .
قوله : تقطع حبال الشّواهد ، شبّه الشواهد بالحبال ، والشّواهد هي التي تجذب العبد إلى الحضرة ، فكأنّها حبال ينجذب بها العبد إلى مطلوبه ، وهذا لا يكون إلّا إذا كان بعيدا ، فأمّا إذا عاين محبوبه ، فلا يحتاج إلى تلك الحبال ، فإذا المعاينة تقطع حبال الشّواهد ، والشّواهد هي الأنوار اللّائحة من الوجود ، كأنّها تشهد للسّالك أنّه على الطّريق المستقيمة الموصلة إلى المطلوب ، إذ لو كان طالبا غير جهة محبوبه ما لاحت له أنواره ، فالنّور اللّائح شاهد صادق بصحّة السّلوك ، وأنّه على جادّة الطّريق ، قال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
« 2 » ، أي هاديا .
هامش
( 2 ) الآية 40 سورة النور .