[ الدّرجة الثالثة : ملاحظة عين الجمع ]
الدّرجة الثالثة :
ملاحظة عين الجمع ، وهي توقظ الاستهانة بالمجاهدات ، وتخلّص من رعونة المعارضات ، وتفيد مطالعة البدايات .
( 1 ) ملاحظة عين الجمع ، قد شرحنا الجمع مرارا ، وهو شهود الوحدانيّة ، وملاحظتها هي مبدأ شهودها ، ومعنى عين الجمع حقيقة الجمع ، فإنّ عين الشيء هو حقيقته .
قوله : وهي توقظ الاستهانة بالمجاهدات ، يعني أنّ السّالك إذا غلب عليه حبّ المجاهدات ، ونامت فترته واستهانته بها ، ولم يفارق المجاهدات طرفة عين ، فإنّ هذه الملاحظة لعين الجمع تنبّه الفترة على المجاهدات ، أي تعيد وتصرف العبد عن المجاهدات لاستغنائه ، وتوقظ الاستهانة بالمجاهدات ، أي تلهم العبد أن يستهين بالمجاهدات استغناء عنها بملاحظة عين الجمع من جهة أنّ صاحب المجاهدات هو مسافر إلى اللّه تعالى ، والملاحظ لعين قد وصل ، وأنشده لسان الحال :
وألقت عصاها واستقرّ بها النوى « 3 » * كما قرّ عينا بالإياب المسافر « 4 »
وذلك لأنّه ليس وراء اللّه مرمى ، ولا سواه مبتغى ، وحضرة الجمع هي حضرة شهوده ، ومنبع جوده من وجوده ، ولفظ الشيخ رضي اللّه عنه يوهم الجاهل ضدّ هذا المعنى ، وذلك أنّ قوله : وهي توقظ الاستهانة بالمجاهدات ، يوهم أنّ معناه أن يوقظ من نوم الاستهانة بالمجاهدات ، حتّى كأنّه قال : يوجب على العبد المجاهدات ، وذلك خطأ ، ومن قال به دلّ على جهله بحضرة الجمع ، مع أنّ لفظ الشيخ لا يحتمل
هامش
( 3 ) النوى والنيّة ، الوجهة التي ينويها المسافر من قرب أو بعد .
( 4 ) البيت لمعقر بن أوس البارقي ، شاعر جاهليّ . توفي سنة 45 ق . م .
( البغدادي : خزانة الأدب 2 / 290 ) .