معرض المدح بقوله تعالى :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
« 1 » ، أي أنّا وجدناه صابرا في وقت يقتضي ضعف البشريّة الاضطراب والرّكون إلى الأسباب ، فلم يضطرب ولم يركن إلّا إلينا ، وهذه حقيقة العبوديّة الّتي لا تصحّ لعبد حتّى يدع اختياره وإرادته ويكون بحسب ما يريد الحقّ منه ، فإنّه إذا كان ذا اختيار لم يذق طعم سيادة الحقّ ، فيولّيه على نفسه إذا شاء ، ويعزله إذا شاء ، فهو في الاختيار بحكم نفسه ، والنّفس منازع الحقّ ، وفي الاضطرار بحكم ربّه .
فشأن العارف الاضطراب بباطنه إلى الحقّ عند النّوازل ، والثبوت بظاهره عند نفوذ الحكم الإلهيّ فيه ، فله الاضطراب في السّكون والسّكون في الاضطراب ، فإنّ الأحوال حاكمة ، والمحكوم لا بدّ أن يكون تحت قهر الحاكم ، لنفوذ الحكم فيه .
واعلم أنّ للصّبر ثلث درجات :
أوّلها : الصّبر للّه ، بتحمّل أثقال التّكاليف ، وهو صبر العامّة .
الثّانية : الصّبر باللّه ، لشهود معاونة التّوفيق في اجتناب المخالفات ، وهو صبر المريد .
الثّالثة : الصّبر على اللّه ، لوصول الصّابر إلى مبادئ « 2 » الفناء بذهاب بشريّته وتخلّقه بالأخلاق الإلهيّة ، وهو صبر المحقّق الثّابت « 3 » الفائز بشرف
هامش
( 1 ) - سورة ص ( 38 ) : الآية 44 .
( 2 ) - ص : منازل .
( 3 ) - ص : الثابت النائب .