وانتقل الأمر إلى دار الآخرة بإنتقاله ، ليكون الأمر حيث ما كان المقصود ، ولذلك قام الحقّ بالإحاطة لحفظه « 1 » من ورائه ، لئلّا يلحق « 2 » به العدم فقال تعالى :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
« 3 » وهو الأوّليّة لصدوره منه ، وترصّده « 4 » في الغاية :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
« 5 » فالحقّ وراء العبد كما هو أمامه ، ولو لم يكن كذلك لكان انتهاؤه إلى العدم ، فإحاطة الحقّ لا يزال يحول بين العبد وبين العدم ، ولمّا كان أمر الوجود دوريّا كان الآخر عين الأوّل ، ولا تزال أعيان مراتب الكون سائحا في فلك الوجود ، ولا يزال وجه السائر في منازل الشّهود إلى اسم الأوّل ، وظهره إلى اسم الآخر ، ولذلك يقال لمن عدم النّور في موطن الآخرة :
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
« 6 » لكون الحقّ من ورائهم وهو النّور ، فلو أمكن لهم الرجوع إلى الوراء - وهي الدّنيا - لوجدوا الآن الحياة الدّنيا محلّ اكتساب أنوار المعارف ، ولكن حال بينهم وبين الحياة الدّنيا سور المنع ، فلا بدّ من رجوع الآخر إلى الأوّل .
هامش
( 1 ) - ص : بحفظه .
( 2 ) - ص : يلحقه العدم .
( 3 ) - سورة البروج ( 85 ) : الآية 20 .
( 4 ) - ص : ويرصده .
( 5 ) - سورة النجم ( 53 ) : الآية 42 .
( 6 ) - سورة الحديد ( 57 ) : الآية 13 .