النّزاع رياسة وسلطنة ، والدّعاء ذلّة وانكسار ، وأمّا من ظهرت منه هذه الصّفة مع المخالفين من أهل الشّرك والفجور فإنّما ذلك قهر باللّه لا بنفس العارف .
والنّزاع إمّا جليّ وهو المخالفة ، وإمّا خفيّ كالصّبر والرّضا ، فإنّ الصّبر على البلاء وترك رفع الشّكوى إلى الحقّ عين النّزاع ومقاومة للقهر الإلهيّ ، ولذلك قال أيّوب عليه السّلام ربّه :
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
« 1 » والأنبياء عليهم السّلام أعلم الخلق بالحقائق وحفظ الأدب للحضرة الإلهيّة إلّا أنّه تعالى استحسن ذلك منه ، وأثنى عليه ، ووصفه بالصّبر مع رفعه الشّكوى إليه تعالى بقوله تعالى :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
« 2 » ، ولا خفاء أنّ الصّبر محمود ، لكن من حيث حبس النّفس عن الجزع وهو رفع الشّكوى إلى المثل لا إلى الحقّ « 3 » ، ورفع الشّكوى إلى اللّه أعلى وأرفع عند الكامل ، لشهود إرادة الحقّ في ذلك ، وكذلك الرّضا من النّزاع الخفيّ ، فالرّضا « 4 » مأخوذ من راض يروض ، ومنه الرّياضة ، وراضت الدّابّة إذا جمحت لينقاد ، وكذلك النّفوس ، لولا ما فيها من الجموح الّذي حجبه عن شهود الحقائق الإلهيّة لما راضها صاحبها بالرّياضة ، فإذا خلقت مرتاضة بالرّياضة الفطريّة فهي راضية مرضيّة ، فلا فائدة في إتعابها ، فإن
هامش
( 1 ) - سورة الأنبياء ( 21 ) : الآية 83 .
( 2 ) - سورة ص ( 38 ) : الآية 44 .
( 3 ) - من قوله « وهو » إلى هنا ساقطة في مخطوطة طهران .
( 4 ) - ص : فإن الرضا .