على النار ، لانّه يطفيها وكذلك شدّة الريح ، فإنّه يموّج الماء ويبدّده ، ويفرّقه ، وإنّما السر الخفىّ الذي لا يتنبّه له أكثر الخلق هو معرفة سبب رجحان قوة الانسان على قوة الريح ، وحكمة إلهام الحق الملائكة لهذا السؤال ، فأقول :
إن للانسان « 8 » يمينا ويسارا ظاهرتين ، وهما يدا صورته ، وله يمين ويسار باطنتان ، وهما روحانيّته وطبيعته ، وقد اعتبرت الشريعة ذلك ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
« 2 » فإن السماوات لمّا كانت محلّ الأرواح فظاهرة عن الحق بواسطتها كانت نسبتها إلى عالم الأرواح أقوى ، فنسبها سبحانه إلى يمينه ، وأضاف الأرض ، وما فيها من الصور الطبيعية إلى اليد الأخرى ، وكنى « 9 » عنها بالقبضة ، وجاء في جامع الأصول أيضا في حديث صحيح التصريح بلفظ « 10 » الشمال ونسبته إلى الحق في هذا المعنى المذكور ، وإذا تقرّر هذا ، فاعلم أن سرّ قوله صلّى اللّه عليه وسلم رواية عن ربّه عز وجلّ : تصدّق بصدقة بيمينه فأخفاها عن شماله « 3 » .
هو أن يكون الباعث له على الصدقة باعثا روحانيّا ربّانيّا خاليا عن أحكام طبيعيّة جملة واحدة ، فإنّ هذا صعب جدّا ، ووجه صعوبته أن الانسان مجموع من الصفات الروحانية والصفات الطبيعيّة والممازجة بينهما واقعة .
هامش
( 8 ) - ع : - ل
( 9 ) - ش : كنا
( 10 ) - ق : بلفظة
( 2 ) - سورة الزمر ( 39 ) ، الآية : 67
( 3 ) - رواه الترمذي في كتاب تفسير سورة 3 ، وكتاب الجنة ، 25 .