تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الحزم فساد أصل كلّي ، أو فساد الأمر الأصلي المراد لعينه ، والمراد ما سواه لأجله ، فوجب رعاية الأصلح ، وترجيح الأهمّ ، وبهذا قام الوجود ، وانتظم أمر كلّ موجود ، وتفصيل هذا السرّ يطول ، وفي هذا الإلماع كفاية للألبّاء وغنية . وأمّا سرّ الأمر من جهة المغضوب عليه فهو على أنواع ثلاثة : تطهير ووقاية ، وتكميل . أمّا الوقاية فكصاحب الآكلة - نسأل الله العفو والعافية منها ومن كلّ داء - إذا ظهرت في عضو أحد وقدّر أن يكون الطبيب والده أو صديقه أو شقيقة ، فإنّه مع فرط محبّته فيه يبادر لقطع العضو المعتلّ ؛ لما لم يكن فيه قابليّة الصلاح أو المعالجة ، فتراه يباشر الإيذاء الظاهر وهو شريك المتأذّي بذلك الأذى ، ولا مندوحة ؛ لتعذّر الجمع بين جلب العافية وترك القطع ؛ لما لم يساعد استعداد العضو على ذلك ، فافهم . وتذكّر : « ما تردّدت في شيء تردّدي في قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأنا « 1 » أكره مساءته « 2 » ولا بدّ له من ذلك » والوالد يظهر الغضب لولده رعاية لمصلحته « 3 » وهو في ذاته غير غاضب ، وإنّما يظهر بصفة الغضب بحيث يظنّ الولد أنّه متّصف بالغضب حقيقة وليس كذلك ، وإنّما موجب « 4 » ظنّه في أبيه ما يشاهده من الأثر الدالّ على الغضب عادة ، والأمر بخلافه في نفس الأمر ، وإنّما ذلك لقصور نظر الولد ، ولعدم استقلاله بالمصالح دون تعليم وزجر وتأديب وتقويم ، فلو وفي استعداده بالتحقّق بالكمال المطلوب للوالد « 5 » ، ما ظهر ما ظهر ، ولا ظنّ ما ظنّ ، بل علم مراد أبيه ممّا ظهر به من حكم الغضب ، مع عروه عنه . وأمّا الأمر من حيث التطهير فمثاله : لو أنّ ذهبا مزج برصاص ونحاس وغيرهما لمصلحة لا يمكن حصولها إلّا بالمجموع كما هو مجرّب في بعض الطلسمات الروحانيّة المشترط « 6 » فيها مجموع المعادن ، بحيث لو نقص شيء منها لم يحصل المقصود ، ثم إنّه إذا فرضنا انقضاء الوقت المراد لأجله ذلك الجمع وحصل المطلوب أو انتهت مدة حكمه وقصد تمييز الذهب ممّا مازجه من غير جنسه ، لا بدّ وأن يجعل في النار الشديدة ، لينفرد
هامش
( 1 ) . ق : لا توجد . ( 2 ) . ق : مساته . ( 3 ) . ه : لمصلحة . ( 4 ) . ق : يوجب . ( 5 ) . ق : للولد . ( 6 ) . ق : المشروط .