ومن أكبر فوائد إخبار الحقّ ورسله والكمّل من خاصّته « 1 » عن أحكام القدر تنبيه النفوس والهمم وتشويقها للتحلّي « 2 » بعلم القدر أو التحقّق بالإيمان به بعد الإيمان بما ذكرنا ، كقوله تعالى :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
« 3 »
وكقوله عليه السّلام : « إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ، فاتّقوا اللّه وأجملوا في الطلب » « 4 »
و
كقوله : « لا يستكمل إيمان عبد مسلم حتى يكون فيما في يد اللّه أوثق منه ممّا في أيدي « 5 » الناس » « 6 »
،
وفي الحديث الآخر الصحيح أيضا : « حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه » « 7 »
و
« حتى يخاف اللّه في مزاحه « 8 » وجدّه »
ونحو هذا في هذا المعنى وغيره ممّا يطول ذكره ويجرّب العبد بميزانه عليه السّلام وميزان ربّه إيمانه ، فيعلم ما حصّل وما بقي عليه ولم يحصّله .
ثم الصراط المستقيم العدل الوسط بعد التحقّق بالتوبة المقبولة المنبّه على حكمها هو الثبات على العمل الصالح بصفة الإخلاص الذي هو شأن أهل الإنابة ، ثم الترقّي بالعمل الصالح في الدرجات العلى كما قال :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
« 9 » يعني الأرواح الطاهرة
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 10 » فلا يزال الإنسان - مع إيمانه وتوبته وملازمته الأعمال الصالحة - يتحرّى الأسدّ فالأسدّ ، والأولى فالأولى من كلام « 11 » وعمل ، فيتّقي ويرتقي من حقّ الإيمان إلى حقيقته ، كما نبّه الرسول صلّى اللّه عليه وآله على ذلك الحارثة
وقد سأله : كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقّا فقال : « إنّ لكلّ حقّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ » فقال :
عزفت نفسي عن « 12 » الدنيا فتساوى عندي ذهبها وحجرها ونحو ذلك ، ثم قال : وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي بارزا وكأنّ أهل الجنّة في الجنّة ينعّمون وأهل النار في النار يعذّبون ،
هامش
( 1 ) . ق : خاصيته .
( 2 ) . ق : للتجلّي .
( 3 ) . الحديد ( 57 ) الآية 22 .
( 4 ) . جامع المسانيد ، ج 13 ، ص 89 .
( 5 ) . ه : أيد .
( 6 ) . جامع المسانيد ، ج 14 ، ص 541 .
( 7 ) . طبقات الشافعية ، ج 4 ، ص 134 .
( 8 ) . ق : مزاجه .
( 9 و 10 ) . فاطر ( 35 ) الآية 10 .
( 11 ) . ق : كلّ أمر .
( 12 ) . عزفت نفسه « عن الشيء : زهدت فيه » وملّته . وعزف نفسه عن الشيء : منعها عنه ؛ فيمكن قراءة « عزفت » بصيغة التكلّم أيضا : وفي ق لا توجد .