مقدّمات البراهين التي أقيمت لإثبات المطالب التي هي محلّ الموافقة على ما بيّنّا « 1 » سرّه في هذا التمهيد .
وفي الجملة قد « 2 » بيّن أنّ غاية كلّ أحد في ما يطمئنّ إليه من العلوم هو ما حصل في ذوقه - دون دليل كسبي - أنّه الحقّ ، فسكن « 3 » إليه ، وحكم بصحّته ، هو ومن ناسبه في نظره وشاركه في أصل مأخذه وما يستند إليه ذلك الأمر الذي هو متعلّق اطمئنانه .
وبقي : هل ذلك الأمر المسكون إليه ، والمحكوم بصحّته هو في نفسه صحيح ، على نحو ما اعتقد فيه من حاله ما ذكرناه « 4 » أم لا ؟ ذلك لا يعلم إلّا بكشف محقّق ، وإخبار إلهي .
فقد بان أنّ العلم اليقيني الذي لا ريب فيه يعسر اقتناصه بالقانون الفكري والبرهان النظري .
هذا ، مع أنّ الأمور المثبتة بالبراهين على تقدير صحّتها في نفس الأمر ، وسلامتها في زعم المتمسّك بها بالنسبة إلى الأمور المحتملة والمتوقّف « 5 » فيها ؛ لعدم انتظام البرهان على صحّتها وفسادها يسيرة جدّا .
وإذا كان الأمر كذلك فالظفر بمعرفة الأشياء من طريق البرهان وحده إمّا متعذّر مطلقا ، أو في أكثر الأمور .
ولمّا اتّضح لأهل البصائر والعقول السليمة أنّ لتحصيل المعرفة الصحيحة طريقين :
طريق البرهان بالنظر والاستدلال ، وطريق العيان الحاصل لذي الكشف بتصفية الباطن والالتجاء إلى الحقّ . والحال في المرتبة النظريّة فقد استبان ممّا أسلفنا ، فتعيّن الطريق الآخر ، وهو التوجّه إلى الحقّ بالتعرية والافتقار التامّ ، وتفريغ القلب بالكليّة من سائر التعلّقات الكونيّه ، والعلوم والقوانين .
ولمّا تعذّر استقلال الإنسان بذلك في أوّل الأمر ، وجب عليه اتّباع من سبقه بالاطّلاع ، والكمّل من سالكي طريقه سبحانه ، ممّن خاض لجّة الوصول ، وفاز بنيل البغية والمأمول ،
هامش
( 1 ) . ق : تبيّن .
( 2 ) . ق : فقد تبيّن .
( 3 ) . ق : سيكن .
( 4 ) . ق : ذكرنا .
( 5 ) . ب : المتوفّق .