وصحّ للأكابر من بركات مباشرة الأخلاق والأعمال المشروعة ما صحّ ونبّهت على ذلك الإشارات الربانيّة ، كقوله في مدح نبيّه صلّى اللّه عليه وآله :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
، « 1 » وكقوله في مدح آخرين في باب الكرم :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
، « 2 » وكوصيّته سبحانه لنبيّه أيضا بقوله :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
« 3 » ،
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
، « 4 » فحرّضه على السلوك على الأمر الوسط بين البخل والإسراف ، وكجوابه لمن سأله مستشيرا في الترهّب وصيام الدهر وقيام الليل كلّه بعد زجره إيّاه ، « 5 »
« ألا إنّ لنفسك عليك حقّا ، ولزوجك عليك حقّا ، لزورك عليك حقّا ، فصم وأفطر وقم ونم »
. ثم
قال لآخرين في هذا الباب : « أمّا أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » « 6 »
فنهى عن تغليب القوى الروحانيّة على القوى الطبيعيّة بالكلّيّة ، كما نهى عن الانهماك في الشهوات الطبيعيّة .
وهكذا فعل في الأحوال وغيرها ، فمن ذلك
لمّا رأى عمر رضي اللّه عنه وهو يقرأ رافعا صوته ، فسأله عن ذلك ، فقال : أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان . فقال له : « اخفض من صوتك قليلا » وأتى أبا بكر رضي اللّه عنه فوجده يقرأ أيضا خافضا صوته ، فسأله كذلك ، فقال : « قد أسمعت من ناجيت » فقال له : « ارفع من صوتك قليلا »
؛ فأمرهما صلّى اللّه عليه وآله بلزوم الاعتدال الذي هو صفة الصراط المستقيم وهكذا الأمر في باقي الأخلاق ؛ فإنّ الشجاعة صفة متوسّطة بين التهوّر والجبن ، والبلاغة صفة متوسّطة بين الإيجاز والاختصار المجحف ، وبين الإطناب المفرط ، وشريعتنا قد تكفّلت ببيان ذلك كلّه وراعته وعيّنت الميزان الاعتدالي في كلّ حال وحكم ومقام وترغيب وترهيب ، وفي الصفات والأحوال الطبيعيّة ، والروحانيّة والأخلاق المحمودة والمذمومة ، حتى أنّه عيّن للمذمومة مصارف إذا استعملت فيها كانت محمودة وراعى هذا المعنى أيضا في الإخبارات الإلهيّة والإنباء عن الحقائق ؛ فإنّه سلك في ذلك
هامش
( 1 ) . النجم ( 53 ) الآية 17 .
( 2 ) . الفرقان ( 25 ) الآية 67 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 110 .
( 4 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 29 .
( 5 ) . روح الأرواح ، ص 677 .
( 6 ) . ق ، ه : أمر ثالث .