تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
التي لا حاجة بنا إلى الخوض فيها ، كتجويز انضباط الحقّ وتعيّنه في تصوّر أحد على ما هو عليه في نفسه ، مع استحالة ذلك في نفس الأمر ، فافهم . ثم نقول : وقد يكون الحاصل في نفس العابد المتوجّه أمرا متركّبا من موادّ عقليّة ومدركات حسّيّة ، ومن مسموعات ومظنونات ، فالإدراك - على اختلاف ضروبه المعنويّة والحسّيّة - تابع للمدرك ، فتوجّه كلّ من شأنه ما ذكر ليس إلّا إلى صور منشآت في الأذهان شخصتها نفوس المتوجّهين من موادّ ظنونها وآرائها ، أو ممّا انتقل إليها من مشخّصات أذهان من حكى لها ، أو نقل إليها أو هي منتزعة من صفات وآثار وآيات قرّر المنتزع إضافتها وثبوتها لموصوف بها ومنسوب إليه جميعها ، وأنّ ذلك كمال في زعمه ، بمعنى أنّ من هو بهذه المثابة فجدير أن يعبد . هذا ، مع اعتراف كلّ منصف هذا شأنه أنّه حال حكمه بمثل هذا الحكم وتصوّره هو في نفسه ناقص ، وتصوّره وغير ذلك من صفاته تابع له ؛ لأنّ الصفة تتبع الموصوف كما قلنا في الإدراك . فالحاصل في ذهنه من صورة الكمال - الذي يجب أن يكون حاصلا للمعبود - صورة ناقصة ، والمنسوب إليه ذلك الكمال - الثابت نقصه بما ذكرنا وغيره - مجهول عنده ، فأين المطابقة المشاهدة بصحّة التصوّر الذي يتبعه الحكم التصديقي ؟ وقد ثبت أنّ حاصل ما أشرنا إليه كونه إنشاء في حال نقصه صورة ناقصة في الكمال ، متحصّلة من أجزاء وهميّة وخياليّة ، أو استجلاءات نظريّة ضعيفة غير مطابقة لما قصد تصوّره ، ثم جعلها قبلة توجّهه وتوقّع منها السعادة والمغفرة وقضاء الحوائج ، أليس اللّه يقول :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 1 » ألست تعلم أنّ الذي أنشأته في ذهنك منفعل مثلك ، بل أنزل درجة منك ، من حيث إنّك منشئه « 2 » . فيا من هذا شأنه ، باللّه عليك راجع نفسك ، وانظر : هل يمكن أن يكون لمثل هذا الحال والاعتقاد ثمرة ، أو يرضى بها عاقل ذو همة عالية في معتقده ، أو عباداته وتوجّهه في صلاة ، أو غيرها من العبادات ؟ وأين المقصود من قوله تعالى :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ *
« 3 » الآية ؟
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) الآية 194 . ( 2 ) . ق : منشئته . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) الآية 148 .